سياسة

انتخابات جزئية قبل “امتحان 2026”… وزارة الداخلية تجس نبض الخريطة السياسية وتقيس حرارة الأحزاب بجهة فاس-مكناس

في خطوة تحمل أكثر من قراءة سياسية، تتجه وزارة الداخلية إلى تنظيم انتخابات جزئية بعدد من الجماعات الترابية عبر مختلف جهات المملكة، وعلى رأسها جهة فاس-مكناس، وذلك مع بداية شهر ماي المقبل، أي قبل حوالي أربعة أشهر فقط من موعد الاستحقاقات التشريعية المرتقبة في شتنبر 2026.

هذه الانتخابات، التي تبدو في ظاهرها تقنية لملء مقاعد شاغرة، تحمل في عمقها أبعاداً استراتيجية، حيث يُنظر إليها كـاختبار ميداني دقيق لقياس حرارة المشهد السياسي، وجس نبض الكتلة الناخبة، ومدى استمرار ارتباطها بالأحزاب التي تتصدر المشهد السياسي بالمغرب.

تمرين سياسي صعب قبل الحسم الانتخابي

وتُجمع قراءات المتتبعين على أن هذه الانتخابات الجزئية تشكل تمريناً سياسياً حقيقياً للأحزاب، خاصة تلك التي تقود المشهد الحكومي أو تسعى إلى تعزيز مواقعها، إذ ستجد نفسها أمام اختبار مباشر لمدى صمود قواعدها الانتخابية، وقدرتها على التعبئة في دوائر محدودة لكنها ذات دلالة.

كما تعكس هذه الخطوة، وفق مصادر متطابقة، رغبة وزارة الداخلية في القطع مع منطق التوقعات النظرية واستطلاعات الرأي غير الدقيقة، عبر اللجوء إلى آلية انتخابية فعلية تمكن من قراءة اتجاهات الناخبين بشكل واقعي، واستشراف موازين القوى قبل الاستحقاقات الكبرى.

46 مقعداً شاغراً بجهة فاس-مكناس… خريطة انتخابية دقيقة

وفي هذا الإطار، يرتقب أن تعرف جهة فاس-مكناس إجراء انتخابات جزئية لملء 46 مقعداً شاغراً بعدد من مجالس الجماعات الترابية، وفق ما حدده مرسوم حكومي وقرار لوزير الداخلية، تضمن تفاصيل دقيقة بشأن الدوائر المعنية وتوزيع المقاعد، إلى جانب مساطر الترشيح والحملة الانتخابية.

فعلى مستوى عمالة فاس، تم تخصيص مقعد واحد بجماعة المشور (الدائرة 2) لفائدة النساء، فيما شملت عمالة مكناس مقاعد بكل من بوفكران (الدائرة 9)، والمهاية (الدائرة 11)، وعين الجمعة (الدائرة 17).

أما إقليم الحاجب، فقد عرف توزيعاً أوسع، شمل جماعات سبع عيون، عين تاوجطات، أقدار، آيت بورزوين، آيت حرز الله، بطيط، آيت يعزم، جحجوح، ورأس إيجيري، مع تخصيص عدد مهم من المقاعد لفائدة النساء، في مؤشر على استمرار تعزيز تمثيلية المرأة داخل المجالس المنتخبة.

وفي إقليم إفران، همت العملية جماعتي ضاية عوا وعين اللوح، بينما شملت إقليم مولاي يعقوب جماعات سبت الأوداية وسيدي داود.

أما إقليم صفرو، فقد توزعت المقاعد بين إيموزار كندر، العنوصر، وعين الشكاك، في حين عرف إقليم بولمان برمجة عدد مهم من المقاعد بجماعات بولمان، ميسور، كيكو، الميس مرموشة، سرغينة، القصابي ملوية، سيدي بوطيب، وأولاد علي يوسف، مع حضور لافت للمقاعد النسائية.

وفي إقليم تاونات، شملت الانتخابات الجزئية جماعات قرية با محمد، بوشابل، الولجة، المكانسة، البيبان، بني وليد، والخلالفة، بينما تم تسجيل مقعد واحد بجماعة بوشفاعة في إقليم تازة.

رهانات سياسية تتجاوز الأرقام

ورغم الطابع المحلي لهذه الانتخابات، فإن رهاناتها تتجاوز بكثير عدد المقاعد، لتلامس جوهر التوازنات السياسية الوطنية، حيث ستكشف نتائجها عن مدى ثقة الناخبين في الأحزاب، وعن قدرة هذه الأخيرة على تجديد خطابها واستعادة بريقها، أو العكس، في حال تسجيل عزوف أو تراجع في نسب المشاركة.

كما تطرح هذه المحطة أسئلة جوهرية حول فعالية العمل الحزبي على المستوى الترابي، ومدى التزام المنتخبين بالانتظارات اليومية للمواطنين، خاصة في ظل الانتقادات المتزايدة لأداء بعض المجالس الجماعية، وعجزها عن مواكبة الأوراش التنموية التي تقودها الدولة.

قراءة استباقية لانتخابات 2026

في المحصلة، تبدو الانتخابات الجزئية المرتقبة بمثابة بروفة سياسية مصغرة لانتخابات 2026، تختبر من خلالها وزارة الداخلية، ومعها الفاعلون السياسيون، ملامح الخريطة الانتخابية المقبلة، في أفق بناء تصور أكثر دقة لموازين القوى.

وبين منطق الأرقام وحسابات السياسة، يبقى الرهان الأكبر هو إعادة الثقة في العملية الانتخابية، وتحفيز المواطن على المشاركة، باعتبارها المدخل الأساسي لترسيخ الديمقراطية المحلية، وضمان تمثيلية حقيقية تعكس تطلعات الساكنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى