مجتمع

عودة الحياة إلى المدن المنكوبة: تعبئة وطنية لإرجاع أزيد من 220 ألف مواطن وإطلاق إحصاء شامل تمهيداً للدعم الملكي

دخلت عملية إعادة انتشار الحياة الطبيعية بعدد من المدن المصنفة مناطق منكوبة مرحلة جديدة، مع انطلاق العودة التدريجية للساكنة التي جرى إجلاؤها مؤقتاً بسبب الاضطرابات الجوية الاستثنائية التي عرفتها عدة أقاليم شمال وغرب المملكة. وتندرج هذه العملية في إطار مخطط وطني منسق تشرف عليه السلطات الترابية تحت إشراف وزارة الداخلية، تنفيذاً للتوجيهات السامية لـ الملك محمد السادس الرامية إلى تعبئة شاملة لمواجهة آثار الكارثة وضمان عودة آمنة وكريمة للمتضررين.

وشملت الإجراءات عدداً من المدن والأقاليم التي تأثرت بارتفاع منسوب المياه والسيول، من بينها مناطق تابعة لـ إقليم العرائش و إقليم القنيطرة و إقليم سيدي قاسم و إقليم سيدي سليمان، حيث تم إجلاء عشرات الآلاف من الأسر بشكل احترازي خلال ذروة التقلبات المناخية.

تعبئة لوجستيكية واسعة لعودة 220 ألف مواطن

مع تحسن الأحوال الجوية وانحسار المخاطر، شرعت السلطات في تنظيم عودة ما يناهز 220 ألف مواطن إلى مساكنهم، عبر خطة نقل استثنائية تضمنت تخصيص حافلات للنقل الحضري وشبه الحضري بالمجان، إلى جانب برمجة رحلات مجانية عبر القطارات بتنسيق مع المكتب الوطني للسكك الحديدية، وذلك لتخفيف الأعباء عن الأسر وضمان انسيابية العملية.

كما جرى تأمين مواكبة ميدانية من طرف عناصر الوقاية المدنية والقوات المساعدة والمصالح الأمنية، لضبط حركة التنقل، وتقديم المساعدة للفئات الهشة، خاصة كبار السن والأشخاص في وضعية إعاقة.

لجان إحصاء ميدانية وحصر دقيق للأضرار

بالتوازي مع عملية العودة، باشرت لجان إقليمية ومحلية مشتركة عملية إحصاء دقيقة للأضرار التي لحقت بالمساكن والبنيات التحتية والممتلكات الخاصة. وتضم هذه اللجان ممثلين عن السلطات المحلية، والمصالح التقنية، والوكالات الحضرية، ومكاتب الدراسات المختصة، بهدف إعداد قاعدة بيانات محينة وشفافة حول حجم الخسائر.

ويرتكز هذا الإحصاء على زيارات ميدانية ومعاينات تقنية لتحديد:

  • المنازل المتضررة كلياً أو جزئياً

  • الأضرار التي مست شبكات الماء والكهرباء والتطهير

  • الخسائر المرتبطة بالأنشطة الفلاحية والتجارية

  • وضعية الأسر الهشة التي تحتاج إلى تدخل استعجالي

ويُنتظر أن يشكل هذا العمل الأساس القانوني والإداري لصرف التعويضات والدعم المالي في مرحلة لاحقة.

انطلاق تفعيل الدعم المالي المخصص بأمر ملكي

وفي خطوة تعكس البعد التضامني للدولة، تقرر الشروع في تفعيل الدعم المالي المخصص للمتضررين، تنفيذاً للتعليمات الملكية السامية. ويشمل هذا الدعم مساعدات مباشرة لفائدة الأسر المتضررة، إضافة إلى برامج لإعادة تأهيل المساكن المتضررة، ودعم الأنشطة الاقتصادية الصغيرة التي تعطلت بفعل الفيضانات.

ووفق المعطيات المتوفرة، فإن الدعم سيُصرف وفق معايير مضبوطة تستند إلى نتائج الإحصاء الميداني، مع إعطاء الأولوية للحالات الأكثر هشاشة، ضماناً للعدالة الاجتماعية والنجاعة في التدبير.

تدخلات ميدانية متواصلة لإعادة التأهيل

في المقابل، تتواصل الأشغال التقنية لإزالة آثار الفيضانات، حيث تم تسخير آليات ثقيلة لإعادة فتح المسالك الطرقية، وتنظيف الأحياء المتضررة، وإصلاح الأعطاب التي طالت الشبكات الأساسية. كما جرى تعزيز المراقبة الصحية والبيئية تفادياً لانتشار أي أوبئة أو مخاطر صحية محتملة.

وتؤكد السلطات أن بعض المناطق ستظل خاضعة للمراقبة التقنية إلى حين التأكد الكامل من سلامة البنيات، مع الإبقاء على مستوى عالٍ من اليقظة تحسباً لأي تقلبات مناخية جديدة.

نموذج في تدبير الأزمات

ويعتبر متابعون أن هذه المرحلة تعكس انتقال التدبير العمومي من منطق الاستجابة الاستعجالية إلى منطق إعادة الإعمار وإعادة الإدماج الاجتماعي، عبر مقاربة ترتكز على التنسيق المؤسساتي، والتضامن الوطني، والتدخل الميداني المباشر.

ومع عودة تدريجية للحياة الطبيعية في المدن المتضررة، يبقى التحدي الأساسي هو تسريع وتيرة إعادة التأهيل، وضمان صرف الدعم في آجاله، حتى تستعيد الأسر المتضررة استقرارها الاقتصادي والاجتماعي بشكل كامل، في سياق تعبئة وطنية شاملة تؤكد أن مواجهة الكوارث الطبيعية مسؤولية جماعية تتطلب استمرار اليقظة والتخطيط الاستباقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى