قضايا

مكناس تتألم: شوارع مثقوبة وحفر سميكة… المدينة بحاجة إلى تدخل عاجل

تعيش مدينة مكناس، اليوم، واقعاً مأساوياً على مستوى بنيتها التحتية، حيث تتحول شوارعها إلى مسارب محفوفة بالمخاطر، مليئة بالحفر السميكة والأوحال الناتجة عن تدهور الإضاءة العمومية وضعف شبكة الصرف الصحي، وهو ما يعكس تراكم الإهمال خلال سنوات سابقة، ويضع أمام الجهات المسؤولة تحديات جسيمة في ما يخص الحفاظ على صورة المدينة وتأمين سلامة ساكنتها وزوارها. وقد عاينت فاس 24 عدداً من الأحياء التي تكاد تتحول إلى ما يشبه الساحات التجريبية، فيما الحفر التي تتراوح أعماقها بين 50 سنتيمتراً ومتر ونصف، لم تعد مجرد مضايقة للسائقين والمارة، بل تشكل خطراً حقيقياً على الأرواح والممتلكات.

خلال متابعة أشغال دورة فبراير لجماعة مكناس، برزت ملاحظات المواطنين وأطر المدينة على الوضع الكارثي للشوارع، وهو ما استوقف الحاضرين، إذ لم يجدوا أمامهم سوى ردود غامضة أو وعود غير واضحة، وغالباً ما تكون مصحوبة بتبريرات تبدو خارج السياق العملي، مثل تصريحات حول إصلاح آلاف الحفر “حين تطل الشمس”، وهو تعبير يعكس الغياب الطويل للتواصل المسؤول والشفاف مع الساكنة. هذا الصمت المديد والتأجيل في معالجة المشكلات الأساسية لم يؤد فقط إلى تراكم الأضرار، بل ساهم في تشويه الصورة الحقيقية للمدينة لدى كل من يتابع الوضع عن كثب، وهو أمر يمكن أن ينعكس سلباً على الاستثمار والثقة في الإدارة المحلية.

واقع مكناس الميداني يتجاوز مجرد كلام المسؤولين، فالحفر والأرصفة المدمرة تتوزع على أغلب الشوارع الرئيسية والثانوية، وتكاد تعطل حركة السير اليومية، كما أنها تشكل تهديداً للأطفال وكبار السن والمشاة، بينما ينتظر المواطنون شرحاً مفصلاً عن الصفقات المعلنة للإصلاح، ومعرفة الشركات المكلفة، والجدول الزمني لإنجاز هذه المشاريع، ومعايير المتابعة والرقابة التي سيتم اعتمادها لضمان جودة العمل، إذ أن أي غموض في هذه الملفات يضعف الثقة ويجعل أي انتقاد يبدو منطقياً ومشروعاً.

إن ما تشهده مكناس اليوم ليس مجرد فوضى عابرة، بل أزمة هيكلية تتطلب جرأة سياسية واستراتيجية واضحة لإعادة المدينة إلى ما يجب أن تكون عليه، خصوصاً وأنها تحتضن تراثاً تاريخياً وثقافياً يُحسب لها، ويستحق صيانة ومتابعة دقيقة. إن المستثمرين الذين قد يفكرون في التواجد بالمدينة لن يرهقهم انتقاد المواطن أو الإعلام الذي ينقل الواقع، بل سيقلقهم ضعف الإدارة، وغياب الشفافية، وارتباك المشهد داخل مجلس الجماعة، الذي يبدو بلا أغلبية واضحة ولا معارضة فاعلة، فيما تظل الملفات المهمة معلقة دون متابعة حقيقية.

إن الحل يكمن في اتخاذ خطوات عاجلة لإصلاح البنية التحتية، تعزيز الإضاءة العمومية، تحسين شبكات النقل الحضري، وإعادة تنظيم الشوارع وتوفير صيانة دورية، مع فتح قنوات تواصل مباشرة وشفافة مع المواطنين، وإطلاعهم على التقدم في المشاريع المهيكلة. فمكناس اليوم ليست مجرد مدينة تحتاج إلى صيانة مؤقتة، بل تتطلب رؤية تنموية متكاملة، تتلاءم مع مكانتها التاريخية والاقتصادية، وتعيد لها الثقة كمكان صالح للحياة والاستثمار.

الساكنة، من جانبها، تؤكد أن النقد الموجه ليس غرضه الهدم، بل الغيرة على المدينة والرغبة في إصلاحها، وهو شعور مشروع ومبرر، خصوصاً في ظل غياب الحوار الواضح والشفاف. إن التعامل مع هذا النقد بعصبية أو تحميل المسؤولية للساكنة لن يحل المشكلة، بل سيزيد الوضع سوءاً. المدينة تحتاج إلى إدارة حقيقية، جريئة، شفافة، قادرة على وضع أولويات واضحة وتنفيذها، مع متابعة دقيقة وجرأة في التواصل، بحيث يشعر كل ساكن بأن صوته مسموع وأن عمل المسؤولين يتماشى مع احتياجات الواقع اليومي وليس مع مزاج أو شعارات انتخابية.

مكناس بحاجة إلى خطة عاجلة لإعادة الاعتبار لشوارعها وأحيائها، وإلى إشراف مباشر ومسؤول من السلطات المحلية والجهوية، وإلى تواصل دائم وواضح مع المواطنين، فالوضع لا يحتمل التأجيل، وكل يوم يمر بدون تدخل ملموس يزيد من حجم الضرر ويعقد فرص الاستثمار ويقلل من جاذبية المدينة. إن المدينة العتيقة والمراكز الحيوية تنتظر أكثر من وعود شفهية، فهي بحاجة إلى أعمال ملموسة، صيانة حقيقية، مشاريع إصلاح عاجلة، وشفافية كاملة في التواصل مع المواطنين والمستثمرين، ليصبح الانتقاد فرصة لتحسين الأداء وليس سبباً لتوتر العلاقة بين المسؤولين والساكنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى