سياسة

ملف الأحد :الرسالة الملكية بعد كأس إفريقيا: تنظيم يُفشل التشويش ومنطق دولة لا يُهزم

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي

لم تكن كأس إفريقيا للأمم التي احتضنها المغرب حدثًا رياضيًا عابرًا يُختزل في تسعين دقيقة أو في نتيجة نهائية، بل كانت محكّ دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى: اختبارًا للجاهزية المؤسسية، ولمتانة القرار السيادي، ولقدرة المغرب على إدارة حدث قاري كبير تحت ضغط الاستهداف والتشويش. ففي لحظة إقليمية حساسة، اختار المغرب أن يُجيب بالفعل لا بالانفعال، وبالتنظيم لا بالضجيج، وبمنطق الدولة لا بمنطق الحملات. من هنا، جاءت الرسالة الملكية الأخيرة لتؤطر المعنى، وتُفكك محاولات الإرباك، وتعيد النقاش إلى مربعه الصحيح: مربع الوقائع الصلبة. وفي قلب هذا المشهد، جاءت لتضع النقاط على الحروف: لغة هادئة، مضامين دقيقة، ورسائل متعددة الاتجاهات، تُفكك الضجيج وتعيد النقاش إلى سكته الطبيعية—سكة الوقائع.

التنظيم كعنوان سيادي لا يقبل المزايدة

منذ الإعلان عن استضافة المغرب للبطولة، اختار أن يتعامل مع الحدث بوصفه مشروع دولة لا ورشًا ظرفيًا. بنية تحتية مهيكلة، ملاعب بمعايير دولية، منظومة نقل واستقبال، وتعبئة مؤسساتية شاملة. هذه ليست تفاصيل تقنية، بل مؤشرات سيادية على جاهزية بلدٍ خبر تنظيم الاستحقاقات الكبرى، ويُراكم خبرةً لا تُصنَّع في المواسم.

الرسالة الملكية، وهي تُشيد بالجهود الجماعية، لم تُسرف في الاحتفاء، بل ثبّتت المعنى الأهم: التنظيم ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لترسيخ الثقة، وإبراز قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها القارية. بهذا المعنى، كان التنظيم المغربي ردًّا عمليًا على كل سردية حاولت التقليل أو التشكيك، لأن الوقائع—حين تُدار باحتراف—تتقدم على الخطاب.

 حين يُستهدف النجاح… لماذا المغرب؟

لا يمكن قراءة موجات التشويش التي رافقت البطولة بمعزل عن السياق الإقليمي. نجاح المغرب في السنوات الأخيرة—رياضياً، دبلوماسياً، وتنموياً—جعله هدفاً سهلاً لمحاولات الإرباك. ليس لأن التنظيم شابه خلل بنيوي، بل لأن النجاح نفسه يُربك خصومه.

الفرق بين النقد المشروع والتشويش المتعمد واضح. النقد الرياضي حق، بل ضرورة. أما تحويل الرياضة إلى منصة تصفية حسابات سياسية، أو ضخّ روايات مضللة حول التحكيم والتنظيم، فهو انزلاق مقصود. هنا، لم تُسمِّ الرسالة الملكية أطرافاً، لكنها سمّت السلوك: تضخيم، تحريض، واستثمار غير أخلاقي للرياضة.

 الجزائر في المرآة… خطاب الإعلام أم مأزق الدولة؟

في الضفة الأخرى، اختار جزء من الإعلام الجزائري أن يُحوّل البطولة إلى مادة صدام. لا تحليل فني رصين، ولا مساءلة موضوعية، بل خطاب انفعالي يخلط التنظيم بالتحكيم، والرياضة بالسياسة. هذا السلوك لا يعكس قوة موقف، بل ارتباكه و تسخيره من طرف المخابرات العسكرية التي كانت تدير المؤامرة من الخلف لتفجير و نسف الدورة و خاصة نهائي الكأس الذي جمع بين المغرب و السينغال و الذي عرف أحداثا خطيرة.

الرسالة الملكية لم تنجرّ إلى هذا المنحدر. بالعكس، أكدت على وحدة الشعوب الإفريقية، ورفضت منطق العداء المفتعل. وهنا تكمن المفارقة: بينما يُصرّ البعض على استحضار المغرب كخصم، يُصرّ المغرب—مؤسساتياً—على استحضار إفريقيا كشريك. الفرق بين منطق الدولة ومنطق الحملات.

 التحكيم… بين القانون والضجيج

من أكثر نقاط التشويش تداولاً مسألة التحكيم. وهي نقطة حساسة في كل البطولات. لكن المقاربة المهنية تقتضي التمييز بين قرار تحكيمي قابل للنقاش، وبين اتهام منظومة كاملة بالتحيّز. التحكيم في البطولات القارية يخضع لهيئات مستقلة، وتقييمه يتم وفق مساطر معروفة.

الرسالة الملكية، دون الدخول في تفاصيل تقنية، أعادت التذكير بقيم الرياضة: التنافس الشريف، واحترام القرارات، وعدم تحويل الأخطاء—إن وُجدت—إلى ذريعة لنسف إنجاز جماعي. هذا التوازن بين الاعتراف بإمكانية الخطأ ورفض استثماره سياسياً، هو ما افتقدته أصوات التشويش.

 الرسالة الملكية كمنهج لا كبيان ظرفي

قوة الرسالة الملكية لا تكمن في حدتها، بل في هندستها. فهي لم تُكتب للرد الآني، بل لتأطير النقاش على المدى المتوسط. ثلاث ركائز واضحة:

  1. الاعتزاز بالمنجز دون استعلاء: إشادة بالجهود، دون ادعاء الكمال.
  2. الدعوة للوحدة دون سذاجة: انفتاح على إفريقيا، مع وعي بطبيعة التحديات.
  3. رفض التشويش دون تسمية الخصوم: تفكيك السلوك بدل مهاجمة الأشخاص.

هذا المنهج يُربك الحملات، لأنها تتغذى على الاستفزاز، وتخسر حين تُواجه بالهدوء المدروس.

 الإعلام بين المهنية والانزلاق

كشفت البطولة—مرة أخرى—عن الفارق بين إعلام يُنتج المعنى، وإعلام يستهلك الضجيج. في المغرب، ساد خطاب يوازن بين الفخر والنقد، ويُفرّق بين التنظيم والنتيجة الرياضية. في المقابل، اختارت منابر أخرى التصعيد، فبدت كأنها تُحاكم النوايا بدل الوقائع.

الرسالة الملكية، في هذا السياق، كانت أيضًا درسًا للإعلام: الدولة لا تُدار بالمنصات، ولا تُقاس بالترندات. ما يبقى هو الأثر، والمؤسسات، والقدرة على الاستمرار.

 المغرب وإفريقيا… ما بعد البطولة

الأهم في كل هذا ليس الرد على التشويش، بل ما بعده. المغرب راكم خلال البطولة رصيدًا جديدًا في علاقته بإفريقيا: ثقة، شراكات، وصورة دولة تُنظم وتحتضن دون إقصاء. هذا الرصيد هو ما يُزعج الخصوم، لأنه يُترجم على الأرض، لا في البيانات.

الرسالة الملكية وضعت هذا الأفق بوضوح: الرياضة جسر، وليست خندقًا. ومن يختار الخندق، سيجد نفسه معزولاً، مهما علت نبرته.

حين ينتصر المعنى على الضجيج

في السياسة كما في الرياضة، لا تنتصر الدول بالصوت الأعلى، بل بالمسار الأثبت. وما كشفته كأس إفريقيا بالمغرب هو أن التشويش—مهما بلغ—يبقى عارضًا،منهزما فوق صخرة تسمى “المملكة المغربية”، بينما تبقى الدولة التي تُخطط وتُنجز وتتحمّل مسؤولية خياراتها حقيقةً قائمة. الرسالة الملكية لم تكن رد فعل، بل تحديد اتجاه: إفريقيا شراكة، والتنظيم التزام، والرياضة قيمة جامعة لا ورقة صراع.

أما الذين راهنوا على تلويث النجاح أو تفريغه من معناه، فقد وجدوا أنفسهم أمام معادلة صعبة: دولة تُنظّم وتُقيّم وتُصحّح، مقابل خطاب يُكرر نفسه ويستهلك رصيده. في هذا الفارق بالذات تكمن قوة المغرب. قوة لا تحتاج إلى صراخ، لأنها مُدعّمة بالإنجاز، ومحصّنة بالمؤسسات، ومسنودة برؤية ملكية تعرف متى تتكلم… ومتى تترك الوقائع تقوم بالمهمة كاملة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى