من المدرجات إلى الأسواق… «كان 2025» يوقظ اقتصاد المغرب ويحوّل الكرة إلى رأسمال ناعم

لم يكن تنظيم المغرب لنهائيات كأس أمم إفريقيا 2025 حدثاً رياضياً عابراً، ولا مجرد استعراض لقدرات تنظيمية طالما روّج لها الخطاب الرسمي، بل تحوّل، مع توالي أيام البطولة، إلى تجربة اقتصادية مكتملة الأركان، أعادت ضخ الحيوية في شرايين قطاعات أنهكتها سنوات من الجائحة، التضخم، وتقلّبات المناخ، ووضعت الاقتصاد الوطني أمام اختبار واقعي لقدرة التحمل، والجاهزية، وتحويل الفرص الظرفية إلى ديناميات مستدامة.
منذ صافرة البداية، بدا المغرب وكأنه دخل «وضعاً اقتصادياً استثنائياً»، حيث انتقلت حرارة المنافسة من الملاعب إلى الفنادق والمطاعم، ومن الشوارع إلى الأسواق التقليدية، ومن المطارات إلى ورشات الصناعة التقليدية، في مشهد يؤشر على ولادة دورة اقتصادية متعددة المستويات، تتجاوز منطق الرواج السريع إلى ما يشبه مختبراً مفتوحاً لقوة الاقتصاد المغربي الناعمة.
مدن البطولة… حين تتحول الجغرافيا إلى اقتصاد متحرك
الرباط، طنجة، مراكش، فاس، وأكادير لم تكن مجرد مدن مستضيفة للمباريات، بل تحولت إلى منصات اقتصادية نابضة، اشتغلت فيها قطاعات الخدمات والسياحة والنقل بكامل طاقتها. الفنادق رفعت نسب الملء إلى مستويات غير مسبوقة، المطاعم والمقاهي اشتغلت بإيقاع ممتد يتجاوز ساعات المباريات، وحركة لوجستية كثيفة أعادت تعريف العلاقة بين المدينة والحدث.
هذا النشاط لم يظل حبيس مراكز المدن أو المنشآت الكبرى، بل امتد أفقياً نحو الأحياء، الضواحي، والمدن المجاورة، محدثاً ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد الحركة»، حيث استفادت مقاولات صغيرة، ومحلات قُرب، وخدمات محلية ظلت لسنوات رهينة ركود الطلب.
قطاع الخدمات… دورة رواج متعددة الطبقات
قطاع الخدمات كان الواجهة الأوضح لهذا التحول. المعطيات المهنية الأولية تشير إلى ارتفاع رقم معاملات المؤسسات الفندقية بنسب تراوحت بين 30 و50 في المئة، مع ذروة أعلى في المدن التي استقبلت مباريات كبرى ومنتخبات ذات جماهيرية واسعة. في المقابل، سجلت المطاعم والمقاهي نمواً لافتاً، مدفوعة بطول مدة الإقامة، وتحوّل الزائر من مشجع عابر إلى مستهلك يومي مندمج في الفضاء الحضري.
ولم يقتصر الرواج على العرض السياحي التقليدي، بل شمل دور الضيافة، الشقق المفروشة، ومنصات الحجز الرقمية، في مؤشر على مرونة المنظومة السياحية وقدرتها على امتصاص الطلب المفاجئ، وتوزيعه على مستويات مختلفة من العرض، ما أفرز رواجاً «متعدد الطبقات» بدل انتعاش أحادي محصور في فاعلين كبار.
تنوع الجنسيات الوافدة خلق بدوره أنماط استهلاك متباينة، بين جمهور يبحث عن حلول اقتصادية، وآخر مستعد للإنفاق مقابل جودة أعلى، وهو ما أعاد توزيع الطلب داخل النسيج الخدمي بشكل أكثر توازناً، وأعاد الثقة في قدرة السوق الوطنية على التكيّف مع الذروة.
النقل واللوجستيك… البنية التحتية تدخل الامتحان
بموازاة ذلك، دخل قطاع النقل واللوجستيك قلب الدينامية الاقتصادية للبطولة. حركة الطيران سجلت ارتفاعاً ملحوظاً، مع ضغط واضح على الرحلات القادمة من العواصم الإفريقية والأوروبية، وتعزيز الرحلات الاستثنائية. داخلياً، عرفت الطرق السيارة والرحلات الجوية الوطنية نسب ملء مرتفعة، في حين توسعت خدمات النقل السياحي لتأمين تنقل آلاف المشجعين بين الملاعب ونقاط الجذب.
مطار محمد الخامس بالدار البيضاء عزز موقعه كمحور قارّي لتوزيع التدفقات، بينما استفادت مطارات مراكش، أكادير، طنجة، والرباط من هذه الحركية، ضمن شبكة مطارية اشتغلت بإيقاع البطولة. هذا الزخم لم ينعكس فقط على شركات الطيران الكبرى، بل شمل مقاولات نقل صغيرة ومتوسطة، كانت حلقة أساسية في تدبير التنقل اليومي.
كما تحرّكت سلاسل لوجستية موازية، من التموين والصيانة إلى الأمن الخاص والخدمات التقنية، ما جعل «الكان» منظومة اقتصادية متكاملة تتقاطع فيها البنية التحتية، التنظيم، والخدمات، ضمن دورة واحدة متشابكة.
الصناعة التقليدية… حين تصبح الهوية رأسمالاً
بعيداً عن الأرقام الجافة، برزت الصناعة التقليدية كأحد أبرز المستفيدين من الحدث. من أسواق فاس ومراكش العتيقة، إلى أروقة الرباط وطنجة وأكادير، عادت الحِرف المغربية إلى الواجهة. الجلابة، القفطان، الزرابي، البلغة، المصوغات الفضية، والمنتجات الجلدية والخشبية، تحولت إلى جزء من تجربة المشجع، لا مجرد سلعة للعرض.
هذا الانتعاش أعاد الحياة إلى ورشات إنتاج ظلت لسنوات تعاني هشاشة الطلب، وسمح بإعادة تشغيل حلقات كاملة من القيمة الحرفية. في الرباط، على وجه الخصوص، تحولت فضاءات العرض القريبة من نقاط تجمع الجماهير إلى منصات سرد ثقافي، تروي عبر المنتوج قصة مهارة وهوية ورأسمال غير مادي.
الهدايا التي غادرت مع الزوار لم تكن مجرد مشتريات، بل رسائل ثقافية طويلة الأمد، تُسهم في ترسيخ صورة المغرب كبلد يمتلك هوية إبداعية متجذرة، وتحول «صنع في المغرب» إلى علامة ناعمة عابرة للحدود.
المقاولات الصغرى… فرصة مشروطة بالسياسات
في قلب هذه الدينامية، وجدت المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، نفسها أمام فرصة نادرة لالتقاط الأنفاس بعد سنوات من الأزمات. الطلب المتزايد على التموين، الصيانة، الخدمات اللوجستية، والتنظيم، فتح أمامها منافذ جديدة لإعادة التوازن المالي.
كما أتاح الحدث فضاء اختبار حقيقياً لمقاولات فتية في مجالات التكنولوجيا والخدمات الرقمية، من إدارة التدفقات وحجز التذاكر إلى المحتوى المواكب وتنظيم الفعاليات الموازية.
غير أن الصورة لم تكن وردية بالكامل. ارتفاع الأسعار في بعض القطاعات، وتفاوت الاستفادة بين الفاعلين، أعادا إلى الواجهة إشكالات بنيوية: منافسة غير متكافئة مع الشركات الكبرى، صعوبات الولوج إلى التمويل، وتأخر الأداءات، وهي عوامل تهدد بتحويل الرواج إلى طفرة عابرة بدل مسار مستدام.
«كان 2025»… اختبار الدولة والاقتصاد معاً
بهذا المعنى، لم تعد كأس إفريقيا مجرد بطولة، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لنجاعة السياسات العمومية، وقدرتها على إدماج المقاولات الصغرى داخل سلاسل القيمة، وتثبيت آثار الرواج عبر آليات مواكبة وتمويل ذكية.
تقديرات الفاعلين الاقتصاديين تتحدث عن مداخيل سياحية قد تتجاوز 125 مليار درهم، غير أن القيمة الأهم لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في تراكم الثقة، ترسيخ الصورة الإيجابية، وبناء رأسمال رمزي واقتصادي يجعل من المغرب فاعلاً قادراً على تحويل الأحداث الكبرى إلى أدوات للتنمية.
لقد أعادت «كان 2025» الحرارة إلى الاقتصاد المغربي، لكن الرهان الحقيقي يبدأ بعد صافرة النهاية: هل تتحول هذه اللحظة الاستثنائية إلى مسار طويل الأمد، أم تظل مجرد ومضة في ذاكرة الأسواق؟ الجواب لن تحسمه الملاعب، بل السياسات.






