قضايا

غسل الأموال تحت المجهر: الهيئة الوطنية للمعلومات المالية تكشف بالأرقام مسارات المال المشبوه وتدق ناقوس اليقظة

كشف التقرير السنوي للهيئة الوطنية للمعلومات المالية برسم سنة 2024 عن ملامح دقيقة لخريطة الاشتباهات المالية بالمغرب، مؤكداً أن تتبع الحسابات البنكية ظل المدخل الرئيسي لرصد التدفقات المشبوهة، في وقت تتوسع فيه أنماط الجرائم المالية لتشمل الاحتيال والتزوير والعملات المشفرة والرهانات الرياضية.

ووفق المعطيات الرسمية، استحوذت طلبات المعلومات المرتبطة بالحسابات على أكثر من نصف مجموع الطلبات التي وجهتها الهيئة إلى الأشخاص الخاضعين للمراقبة خلال الفترة الممتدة من 2018 إلى 2024، بنسبة بلغت 53,66 في المائة، تليها طلبات المعلومات المتعلقة بالعمليات المالية بنسبة 28,72 في المائة، ما يعكس مركزية الحسابات البنكية في تفكيك شبكات غسل الأموال.

نمط مستقر… ويقظة متواصلة

وأوضح التقرير أن سنة 2024 لم تشذ عن هذا التوجه، حيث حافظت الهيئة على نفس توزيع طلبات المعلومات المعتمد خلال السنوات السابقة، في مؤشر على استقرار المنهج التحليلي والرقابي المعتمد، القائم على تتبع مسارات المال بدل الاقتصار على مظاهره السطحية.

هذا الاستقرار، بحسب متابعين، لا يعكس جموداً بقدر ما يعكس نجاعة مقاربة تراكمية مكّنت الهيئة من بناء قواعد بيانات وتحليلات معمقة حول سلوكيات الاشتباه المالي.

84 ملفاً أمام القضاء… وتصاعد مقلق

وفي ما يخص الجانب الزجري، كشف التقرير أن الهيئة أحالت خلال سنة 2024 ما مجموعه 84 ملفاً على النيابات العامة المختصة بكل من الرباط والدار البيضاء وفاس ومراكش، وذلك بخصوص أفعال يشتبه في ارتباطها بغسل الأموال أو بالجرائم الأصلية المرتبطة به، وذلك طبقاً لمقتضيات القانون رقم 43.05 المتعلق بمكافحة غسل الأموال.

أما الملفات المرتبطة بشبهات تمويل الإرهاب، فتُحال، وفق المساطر القانونية المعمول بها، على الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالرباط، بما يعكس حساسية هذا النوع من القضايا وخطورتها على الأمن الوطني.

وسجل التقرير ارتفاعاً لافتاً في عدد الإحالات على القضاء بنسبة 18,31 في المائة مقارنة بسنة 2023، مؤكداً منحى تصاعدياً مستمراً منذ سنة 2018، ما يعكس تشديد الخناق على الجرائم المالية وتعزيز التنسيق بين التحليل المالي والمتابعة القضائية.

الاحتيال والتزوير في صدارة الاشتباه

وكشفت الأرقام أن القضايا المرتبطة بإخفاء متحصلات الجنايات أو الجنح تصدرت الملفات المحالة بنسبة 27,38 في المائة، تلتها قضايا النصب والاحتيال بنسبة 22,62 في المائة، ثم جرائم التزوير وتزييف الكشوفات البنكية ووسائل الأداء بنسبة 20,24 في المائة.

كما سجل التقرير بروز أنماط جديدة ومعقدة لغسل الأموال، من بينها القضايا المرتبطة بالرهانات الرياضية، والبيع الهرمي، واستغلال العملات المشفرة، وهو ما يطرح تحديات إضافية على مستوى التتبع الرقمي والتشريعي.

تعاون دولي… وفق قواعد صارمة

وعلى الصعيد الدولي، أكد التقرير أن الهيئة الوطنية للمعلومات المالية واصلت توسيع دائرة تعاونها مع وحدات المعلومات المالية الأجنبية، سواء في إطار مذكرات التفاهم أو على أساس مبدأ المعاملة بالمثل، مع احترام صارم لمقتضيات المادة 24 من قانون مكافحة غسل الأموال.

وأشار المصدر ذاته إلى أن الهيئة تتعامل مع طلبات المعلومات والتصاريح التلقائية الواردة من الخارج بنفس المعايير المعتمدة وطنياً، خصوصاً في ما يتعلق بسرية المعطيات، وعمليات الإثراء والتحليل، وإحالة الملفات على القضاء عند الاقتضاء، بعد الحصول على موافقة الوحدة الأجنبية المعنية، انسجاماً مع مبادئ مجموعة “إيغمونت” الدولية.

أرقام تتجاوز الإحصاء… ورسائل واضحة

ولا تُقرأ هذه الأرقام، وفق متابعين، باعتبارها مجرد معطيات تقنية، بل كرسائل واضحة بأن الرقابة المالية بالمغرب دخلت مرحلة أكثر صرامة، عنوانها تتبع دقيق لمسارات المال، وتوسيع دائرة الاشتباه، وربط التحليل المالي بالمساءلة القضائية، في سياق وطني ودولي يتسم بتعقّد الجريمة المالية وتشابكها

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى