في لحظة إجماع وطني… وزير الصحة يختار “العطلة الإدارية للكاتب العام” بدل منطق الاستنفار والمسؤولية

بينما تعيش المملكة واحدة من أدق محطاتها التنظيمية والإنسانية، مع احتضان نهائيات كأس أمم إفريقيا، وتزامنها مع موجة برد قاسية وتساقطات ثلجية وفيضانات أربكت عدداً من المناطق، انفجر قرار داخل وزارة الصحة والحماية الاجتماعية كقنبلة سياسية وإدارية، عارياً من أي مبرر مقنع.
في وقت رفعت فيه الدولة درجة التأهب القصوى، وسُخّرت الإمكانيات البشرية واللوجستية، وجرى تفعيل مخططات استعجالية لحماية صحة المواطنين، اختار رأس إداري بارز داخل الوزارة مغادرة التراب الوطني لقضاء عطلة خارج المغرب، بترخيص مباشر من الوزير الوصي على القطاع. قرار بدا، في نظر متتبعين، صادماً ومتناقضاً مع منطق المرحلة وروح المسؤولية.
المرحلة ليست عادية: ملاعب ممتلئة، ضغط صحي متزايد، تنقلات جماهيرية واسعة، ومناطق جبلية تعاني العزلة والبرد القارس، في وقت شددت فيه أعلى سلطة في البلاد على ضرورة التعبئة الشاملة، والحضور الميداني، والانضباط الصارم داخل كل القطاعات الحيوية، وعلى رأسها قطاع الصحة.
ورغم ذلك، فُتح باب “العطلة” داخل وزارة يُفترض أن تكون في حالة استنفار دائم، ما طرح أسئلة محرجة حول منطق التدبير، وحدود القرار، ومن يتحمل مسؤولية الترخيص بالغياب في توقيت لا يحتمل حتى ساعة فراغ إداري.
الغياب لم يكن تقنياً أو هامشياً، بل طال موقعاً مركزياً يُفترض فيه تنسيق الملفات الكبرى وضمان استمرارية القرار، وهو ما انعكس – بحسب مؤشرات متداولة – على أداء بعض المصالح، وخلق ارتباكاً إدارياً في ظرف يتطلب السرعة، الجاهزية، والحسم.
الأخطر في القضية ليس مجرد مغادرة مسؤول إداري، بل الرسالة السياسية والمؤسساتية التي بعث بها القرار: هل أصبح الاستنفار الوطني مجرد شعار؟ وهل تُدار القطاعات الحيوية بمنطق “الحد الأدنى” في عز الأزمات؟ وأين تقف المسؤولية حين تتقاطع المصلحة العامة مع قرارات فردية؟
ما جرى يعيد بقوة إلى الواجهة سؤال الحكامة داخل وزارة الصحة، ويضع الوزير الوصي في قلب المساءلة الأخلاقية والسياسية، لأن الترخيص في زمن الطوارئ ليس إجراءً إدارياً عادياً، بل موقف يُحسب ويُحاسَب عليه.
وفي ظل هذا المشهد، يظل الرأي العام في انتظار توضيح يرقى إلى خطورة اللحظة، لأن صحة المغاربة ليست ملفاً مؤجلاً، ولا قطاعاً يمكن تدبيره عن بُعد، حين يكون الوطن كله في وضع استنفار.






