غليان في قطاع الصحة: الحكومة تدفع بالمجموعات الصحية الترابية دفعة واحدة وتثير المخاوف

أثار قرار مجلس الحكومة الذي صدر أمس الخميس، الذي صادق بموجبه على أحد عشر مشروع مرسوم دفعة واحدة لتحديد تاريخ الشروع الفعلي في ممارسة اختصاصات المجموعات الصحية الترابية (GST) لمختلف جهات المملكة، موجة من الانتقادات الحادة والقلق العميق في الأوساط الصحية والاجتماعية.
ويُنظر إلى هذا الاندفاع في تنزيل المراسيم، الذي يشمل جهات البلاد جميعها في قرار واحد، على أنه تسرع غير محسوب العواقب وتجاهل صارخ لمتطلبات التمهيد والتنسيق الضرورية لمثل هذا التحول الهيكلي الضخم في قطاع حيوي كالصحة.
المماطلة ثم الاندفاع: نهج مثير للجدل
بعد فترة طويلة من المماطلة والتردد في إطلاق هذا الورش الإصلاحي، تفاجأ الجميع بهذا الإجماع الحكومي المفاجئ على تمرير كل هذه المراسيم في جلسة واحدة. هذا النهج يطرح تساؤلات حول جدية الحكومة في الإصلاح، ويثير الشكوك حول ما إذا كانت هذه الخطوة مجرد محاولة لاستدراك الوقت الضائع دون استيفاء الشروط الموضوعية للنجاح.
-
غياب التمهيد الكافي: يُعدّ تنزيل هذه المجموعات الإحدى عشرة في وقت واحد تحديًا إداريًا ولوجستيًا هائلاً. فالتحول يتطلب تجهيز الهياكل، وضمان التوافق بين الأنظمة، وتكوين الموارد البشرية، وهي عملية لا يمكن إنجازها بـ “زر واحد”.
-
تجاهل خصوصيات الجهات: على الرغم من أن الهدف هو إنشاء مجموعات صحية “ترابية”، فإن التعامل مع كل الجهات بنفس السرعة والآلية يغفل التباين الكبير في جاهزية البنيات التحتية والموارد البشرية بين جهة وأخرى.
أسئلة معلقة ومستقبل مجهول
إن هذا القرار، الذي يحدد بدء الممارسة الفعلية للاختصاصات في فاتح الشهر الثالث الموالي لتاريخ انعقاد أول مجلس إدارة، يضع الحكومة في قفص الاتهام لعدة أسباب:
-
الموارد البشرية: لم يتم بعد معالجة القضايا الجوهرية المتعلقة بوضعية مهنيي الصحة، وتدبير تنقلاتهم، وتوحيد وضعهم القانوني والإداري داخل هذه المجموعات الجديدة. هناك صمت مطبق حول آليات انتقال الأطر إلى الهياكل الجديدة وكيفية ضمان حقوقهم.
-
التشريعات التنظيمية: لا تزال العديد من النصوص التطبيقية المتعلقة بالتنظيم الداخلي للمجموعات ومهامها الدقيقة وكيفية التنسيق بينها وبين الإدارة المركزية غير واضحة أو غائبة، مما ينذر بالفوضى الإدارية في الأجل القريب.
-
جودة الخدمات: يخشى المهنيون والمواطنون أن يؤدي هذا الاندفاع إلى تدهور مؤقت في جودة الخدمات الصحية، بدلاً من تحسينها، نتيجة لغياب التنسيق والانتقال السلس للاختصاصات.
إن الحكومة، بتبنيها هذا القرار الشامل والسريع، تضع القطاع الصحي على صفيح ساخن وتُخاطر بزعزعة استقرار النظام الصحي في البلاد. كان يُفترض أن يتم التنزيل بشكل تدريجي ومدروس يبدأ بالجهات الأكثر جاهزية ويستفيد من التجربة قبل التعميم، لا أن يتم الدفع بالجميع إلى المجهول في وقت واحد.
على الحكومة أن تدرك أن إصلاح قطاع الصحة الحيوي يتطلب الحكمة والتبصر لا الاستعراض والسرعة المفرطة. إن صحة المواطنين ليست ميدانًا للتجارب أو للمناورات السياسية السريعة.






