تحقيق : قنبلة صهاريج”المرج” الموقوتة: كيف يهدد فساد “زيت الزيتون” في فاس مكناس صحة المواطنين ويدمّر الفرشة المائية؟

فاس – مكناس | تحقيق خاص لجريدة فاس 24 الرقمية
في موسم جني الزيتون، تتزين جهة فاس مكناس – التي تمثل القلب النابض لإنتاج “الذهب الأخضر” – بظلال أشجارها الباسقة، لكن خلف هذا المشهد الساحر تختبئ قنبلة بيئية موقوتة اسمها “المرج”، تُلقي بسمومها في الوديان والفرشات المائية، وتكشف عن شبكة من الفساد والتواطؤ بين بعض أرباب المعاصر وذوي النفوذ السياسي والاقتصادي.
فبينما يفترض أن تكون صناعة زيت الزيتون رمزاً للغذاء الصحي والاقتصاد المحلي النظيف، تحولت في السنوات الأخيرة إلى أحد أخطر مصادر التلوث البيئي في المغرب، خصوصاً في مناطق فاس، صفرو، الحاجب،، تاونات،تازة ، ومكناس، حيث تنتشر مئات المعاصر التي تعمل أحياناً خارج معايير المراقبة البيئية والصحية.
زيت مغشوش.. ومعاصر محصّنة بالسلطة
تكثف مصالح المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (ONSSA) حملاتها كل موسم، وقد أسفرت في السنوات الأخيرة عن إتلاف أطنان من الزيوت المغشوشة وسحب عشرات التراخيص في مدن كصفرو وتاونات وتازة، غير أن مناطق أخرى – خاصة بجهة فاس مكناس – ما تزال تعاني من “ثقافة الإفلات من العقاب”.
فعدد من المعاصر التي تشتبه التقارير الميدانية في مخالفتها لمعايير الجودة، يملكها منتخبون نافذون أو رجال أعمال مرتبطون بمسؤولين جماعيين وإقليميين، ما يجعل تطبيق القانون انتقائياً في حالات كثيرة. ويقول فاعلون بيئيون بالمنطقة إن “الفساد هنا ليس مجرد تقصير إداري، بل شبكة مصالح متشابكة تُعطل المراقبة وتعقّد الإصلاح”.
المرج… سائل أسود يقتل الماء والحياة
تُعد مادة المرج، الناتجة عن عملية عصر الزيتون، أكبر تحدٍّ بيئي تواجهه الجهة. فحسب دراسات صادرة عن مختبرات تابعة لجامعة محمد بن عبد الله بفاس، كل لتر واحد من المرج يمكنه تلويث 1000 لتر من الماء، لما يحتويه من مركّبات عضوية وفينولية سامة، تُميت النباتات وتُفسد جودة التربة والمياه الجوفية.
في كل موسم، تُنتج معاصر الجهة ما بين 300 و400 ألف طن من المرج، أغلبها يُرمى في الأودية والحقول بشكل عشوائي، لتتسرب مكوناته السامة إلى باطن الأرض، مُهددة الفرشة المائية لسبو ووادي ورغة، التي تُعتبر من أهم موارد الشرب والسقي في المنطقة.
ويحذر خبراء من أن تسرب المرج إلى الفرشة الجوفية قد يستغرق سنوات ليظهر أثره الكارثي، لكن حينها سيكون الأوان قد فات، لأن المياه الجوفية تحتاج عقوداً لتستعيد توازنها الكيميائي الطبيعي.
مشروع التبخر قرب سد التلي… نموذج للفشل البيئي
في محاولة لمعالجة الإشكال، خُصصت مسابح لتبخر المرج قرب سد التلي شمال فاس، بتمويل من جهات عمومية، لكن المشروع تحوّل إلى نقطة سوداء في سجل التسيير البيئي.
فبدل معالجة المادة السامة، تكدست كميات ضخمة من المرج دون تبخر كافٍ، لتتحول المسابح إلى برك آسنة تنبعث منها روائح كريهة، وسط تخوفات من تسربها إلى منابع المياه القريبة.
مصادر من وكالة الحوض المائي لسبو تؤكد أن الطاقة الاستيعابية لهذه المسابح لا تتجاوز 30% من المرج المنتج فعلياً، وأن غياب التنسيق بين الجماعات المحلية والمعاصر الخاصة جعل المشروع يخرج عن هدفه الأصلي. النتيجة: تلوث صامت يهدد سكان فاس وضواحيها، ويجعل “سد التل” نفسه على المحك.
القانون واضح… لكن من يجرؤ على تطبيقه؟
قانون الماء رقم 36-15 يعاقب كل من يتسبب عمداً في تلويث الموارد المائية بغرامات مالية تصل إلى ملايين الدراهم، وبعقوبات حبسية في بعض الحالات، غير أن تطبيقه يظل محدوداً.
فالكثير من المخالفات تُغلق بتسويات ودية أو “وساطات سياسية”، في ظل غياب المحاسبة الصارمة، ما يدفع الجمعيات البيئية إلى وصف الوضع بـ”الإفلات المنهجي من العقاب”.
يقول أحد الناشطين البيئيين بفاس:
“ما يجري اليوم في جهة فاس مكناس ليس فقط تلوثاً بيئياً، بل تواطؤاً ممنهجاً بين المال والسياسة ضد صحة المواطنين. المرج ليس مجرد مياه عادمة، بل سمّ يسري في عروق الأرض والماء”.
صرخة لإنقاذ ما تبقّى
لقد آن الأوان لإعلان حالة طوارئ بيئية في جهة فاس مكناس، قبل أن تتحول إلى منطقة منكوبة بيئياً.
فالمطلوب ليس فقط تشديد الرقابة، بل تبنّي حلول مستدامة لتثمين المرج، مثل استعماله في إنتاج الغاز الحيوي أو السماد العضوي، وهي تجارب ناجحة في بلدان متوسطية كإسبانيا وتونس.
كما يجب إلزام أرباب المعاصر بإنشاء محطات لمعالجة مخلفاتهم، وربط الترخيص السنوي بإثبات المعالجة البيئية.
لا تسامح مع “النافذين”
الجهة اليوم أمام مفترق طرق: إما اختيار الشفافية والمساءلة وحماية البيئة، أو الاستمرار في التواطؤ مع لوبيات الزيت والمرج التي تقتات من غياب القانون.
إن “قنبلة المرج” ليست شأناً بيئياً فحسب، بل اختباراً لجدية الدولة في مواجهة الفساد المحلي.
فـ”الذهب الأخضر” الذي يفترض أن يكون رمزاً للبركة، أصبح في بعض مناطق فاس مكناس وجهاً قاتماً لجشع لا يعرف حدوداً، ولن يُنقذ المنطقة إلا صرامة بلا استثناءات… لا أحد فوق القانون.






