قضايا

“جريمة التسعينات” لمقتل طالب يساري تعود لتطارد “القيادي” حامي الدين : العدالة و التنمية في قفص الاتهام!

قررت العدالة لدى محكمة الاستئناف بفاس زوال اليوم الإثنين 13أكتوبر الجاري،تأجيل ملف مقتل الطالب اليساري بنعيسى آيت الجيد ،و ذلك بطلب من هيئة دفاع المتهم عبدالعالي حامي الدين القيادي في حزب العدالة والتنمية الذي يقدم نفسه ذات المرجعية الاسلامية،و تقرر يوم 25 ماي من السنة القادمة البث في الملف من جديد.

ثلاثون عاماً لم تكن كافية لطي صفحة الدم في أسوار جامعة فاس، فـقضية مقتل الطالب اليساري بنعيسى آيت الجيد عام 1993، في خضم الصراع الدموي بين الفصائل الطلابية، تطل برأسها من جديد لتُلاحق أحد أبرز القيادات في حزب العدالة والتنمية، عبد العلي حامي الدين. الجريمة التي وقعت في محيط جامعة ظهر المهراز، وما تبعها من مسارات قضائية متقلبة، أصبحت اليوم اختباراً حقيقياً لمبدأ “عدم الإفلات من العقاب” في المشهد السياسي والحقوقي المغربي.

في سيناريو يلامس حد المفارقة، يجد أستاذ القانون العام والقيادي السياسي نفسه مجدداً أمام غرفة الجنايات الاستئنافية بفاس في  قضية تتعلق بجريمة قتل طالب يساري، وهو الملف الذي يُعيده إلى واجهة العدالة بعد عقود من البت فيه وإعادة فتحه.

تعود أصول القضية إلى المواجهات العنيفة بين الطلبة الإسلاميين واليساريين في جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس. وقد سبق وأن بُرئ حامي الدين في هذه القضية، بل وحصل على جبر الضرر من هيئة الإنصاف والمصالحة التي اعتبرت اعتقاله تعسفياً في بداية الألفية.

لكن العجلة القضائية استدارت عام 2017، عندما تقدمت عائلة آيت الجيد بشكاية جديدة، ليقرر قاضي التحقيق متابعة حامي الدين بتهمة “جناية المساهمة في القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد”.

أما التطور الأهم فقد تمثل في الحكم الابتدائي الصادر عن غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بفاس في يوليوز 2023، والذي أدان حامي الدين بـ3 سنوات حبساً نافذاً وغرامة 20 ألف درهم، بعدما أعادت المحكمة تكييف التهمة إلى “المشاركة في الضرب والجرح المفضي إلى الموت دون نية إحداثه”. وهو الحكم الذي تم استئنافه.

مؤيدو الإدانة (اليسار والحقوقيون): يرون في هذا المسار انتصاراً للعدالة بعد عقود، وتأكيداً على أن لا أحد فوق القانون، وأن الجرائم لا تسقط بالتقادم، مهما علا شأن المتهم السياسي. هذا المسار يمثل بالنسبة إليهم فرصة لتطهير الحياة السياسية من أي شبهة عنف أو دم.

المدافعون عن حامي الدين (العدالة والتنمية والتيار الإسلامي): يصرون على أن القضية سياسية بامتياز، ويتم توظيفها لتصفية حسابات سياسية مع قيادي بارز في حزب كان يقود الحكومة. ويركزون على مبدأ “سبقية البت” في القضية وحصوله سابقاً على حكم بالبراءة.

وقد أصدر الأمين العام لحزب العدالة والتنمية توجيهاً لأعضاء الحزب بـ”عدم تقديم أي تصريح أو التعليق” على الحكم الابتدائي، في محاولة لضبط ردود الفعل السياسية.

القيادي في “البيجيدي” يواجه اليوم استئناف الحكم، وقد شهدت غرفة الجنايات الاستئنافية بفاس تأجيلات متكررة، كان آخرها التأجيلات التي تمت، كان بعضها بسبب غياب “الشاهد الوحيد” في الملف، وبعضها الآخر لتمكين الدفاع من إعداد مرافعاته.

المثير في الأمر أن هذا الملف ليس مجرد قضية قتل عادي؛ بل هو تجسيد حي لـ**”الثمن الأخلاقي والسياسي”** الذي قد يدفعه البعض بسبب انخراطهم في صراعات الماضي الطلابية. أن يدان قيادي حزب سياسي بارز، وهو أستاذ جامعي ومثقف، بجناية ولو بتكييف مخفف، يُلقي بظلال ثقيلة على مسيرته ومستقبل حزبه.

هذه القضية تظل شاهدة على أن ذاكرة العدالة قد تطول، لكنها لا تُنسى، وهي رسالة قوية من قلب القضاء المغربي مفادها أن النفوذ السياسي لا يمنح صكوك الغفران من ملفات الماضي. فهل تُنهي غرفة الجنايات الاستئنافية الجدل نهائياً، أم تزيد في تعميق الانقسام السياسي والحقوقي حول “جريمة التسعينات”؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى