سياسة

200 برلماني يتحدّون زعماء أحزابهم… هل تتحول الانتخابات المقبلة إلى حرب كراسي؟

تعيش الساحة السياسية المغربية على صفيح ساخن قبل سنتين من موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، بعدما رفع أكثر من 200 برلماني راية التحدي في وجه زعماء أحزابهم. هؤلاء المحترفون الذين خبروا دهاليز السياسة ودوائر النفوذ أعلنوا بوضوح أنهم لن ينصاعوا لتعليمات القيادات الراغبة في تجديد النخب بنسبة 70 في المائة، وأنهم سيقاتلون للبقاء فوق مقاعدهم التي تحولت إلى إقطاعيات انتخابية يصعب التخلي عنها.

البرلمانيون المتمردون يبررون موقفهم بأنهم قضوا ثلاث سنوات في خدمة دوائرهم، وأنهم جلبوا المشاريع وفتحوا الأوراش وأقنعوا الوزراء بالقدوم إلى مناطقهم. لكن الحقيقة أن أغلب هذه المشاريع لا علاقة لها بالعمل البرلماني، بل تدخل في صميم اختصاص المجالس الترابية، غير أن محترفي السياسة يصرون على تسويق أنفسهم كمنجزين لكل شيء، من تعبيد الطرق وبناء المستوصفات إلى تنظيف المقابر وتشييد ملاعب القرب. إنها عملية تضليل سياسي مفضوحة تحوّل النائب البرلماني من مشرع ورقيب على الحكومة إلى مقاول محلي يبحث عن الأصوات بأي وسيلة.

ومع اقتراب موعد الانتخابات، لم يتردد هؤلاء البرلمانيون في إطلاق حملات انتخابية مقنعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يمطرون الناخبين بصورهم وهم يقفون إلى جانب الوزراء في تدشينات وهمية أو يعلنون حل مشاكل آنية لا تتجاوز وضع مصابيح إنارة أو تزويد قرية بمضخة ماء. إنها رسائل مشفرة للناخبين مفادها: نحن من نملك القرار، ولسنا مجرد أسماء في لوائح حزبية.

الأخطر من ذلك أن بعضهم وجد في ثغرات القانون ملاذا للاستمرار، مستغلا حرية الترحال السياسي للانتقال من حزب إلى آخر عند نهاية الولاية، أو بعد الطرد من التنظيم الأصلي. النتيجة هي مشهد عبثي تتحول فيه الأحزاب إلى مجرد أوعية انتخابية فارغة، فيما يتصرف البرلمانيون كأسياد مطلقين فوق الأرض التي يعتبرونها ملكا خاصا لهم.

السؤال الجوهري اليوم: هل نحن أمام زعامات حزبية قادرة فعلا على فرض إرادتها وتجديد النخب، أم أن البرلمانيين المخضرمين سيواصلون ابتزاز أحزابهم وفرض بقائهم تحت ذريعة القرب من المواطنين؟ وهل ستسمح الدولة بإعادة إنتاج نفس الوجوه التي أثقلت الحياة السياسية ورتبت العزوف الانتخابي، أم أن لحظة الحسم قادمة لوقف هذا العبث؟

الحقيقة الصادمة أن ما يجري اليوم يفرغ الديمقراطية من مضمونها ويحوّل البرلمان إلى سوق مفتوح للمصالح والمقايضات. فبدل أن يكون مؤسسة تشريعية تراقب الحكومة وتضع السياسات العمومية، أصبح فضاءً لتصفية الحسابات الشخصية وتوزيع الغنائم الانتخابية. إنها إدانة سياسية كاملة لمشهد يهدد الثقة في المؤسسات ويدفع المواطن أكثر نحو العزوف واليأس من جدوى المشاركة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى