تضخم ينهك الجيوب وحكومة أخنوش في عطالة سياسية

مرة أخرى، تكشف الأرقام الرسمية عن عمق الأزمة المعيشية التي يرزح تحتها المواطن المغربي. فالمندوبية السامية للتخطيط، وهي مؤسسة رسمية محايدة، أفادت أن الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك ارتفع في شهر يوليوز 2025 بنسبة 0,5% مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، بفعل ارتفاع أسعار المواد الغذائية بـ 0,9% والمواد غير الغذائية بـ 0,2%. أرقام قد تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها في العمق تجسد استمرار النزيف الذي يعيشه المستهلك المغربي منذ سنوات، وسط غياب رؤية حكومية واضحة.
المثير في هذه المعطيات أن المواد الغذائية، وهي أساس معيشة الأسر البسيطة، ظلت في صعود متواصل، في حين أن الحكومة التي رفعت شعارات “الدعم المباشر” و”الدولة الاجتماعية” عجزت عن حماية القدرة الشرائية للفئات الهشة. فكيف يمكن لمواطن يتقاضى الحد الأدنى من الأجور أن يتحمل زيادات متكررة في أسعار الحليب والجبن والبيض بنسبة 2,7%، وارتفاع أثمان القهوة والشاي بنسبة 0,6%، والأسماك بـ 0,4%، في حين أن دخله راكد، بل يلتهمه غلاء الكراء والفواتير؟
أما التناقض الأكبر فيتجلى في المحروقات التي ارتفعت أسعارها بـ 3,5%، في بلد يتربع رئيس حكومته على قمة واحدة من أكبر المجموعات المحتكرة للوقود. فهل يُعقل أن يظل المواطن تحت رحمة تقلبات السوق الدولية دون أن تبادر الحكومة إلى تفعيل آليات للتسقيف أو تخفيض الرسوم الضريبية الثقيلة؟ أليس هذا دليلًا ساطعاً على تضارب المصالح وغياب الجرأة السياسية في مواجهة لوبيات الريع؟
ورغم أن بعض المواد كـ”الخضر” سجلت انخفاضاً نسبياً بلغ 4,7%، فإن هذا التراجع يبقى موسميًا وعابراً، سرعان ما يتبخر أمام موجات غلاء لا تهدأ. إذ أن التضخم الأساسي، الذي يقيس الاتجاه الحقيقي للأسعار بعيداً عن العوامل الموسمية، سجل ارتفاعاً بـ 0,9% على أساس سنوي، ما يعني أن كلفة المعيشة تواصل زحفها نحو الأعلى، في وقت تتفرج فيه الحكومة بعجز واضح.
الأدهى أن هذه الأرقام تأتي بعد ثلاث سنوات من وعود انتخابية أغدق بها أخنوش على المغاربة، متحدثاً عن تحسين الأجور وخفض البطالة وإصلاح الصحة والتعليم. غير أن الواقع يكذب الخطاب، حيث يتواصل نزيف الأسعار، ويغرق المواطن في دوامة القروض الاستهلاكية والديون، فيما تتحول شعارات “الدولة الاجتماعية” إلى مجرد واجهة للتسويق السياسي.
إن ما تكشفه المندوبية السامية للتخطيط ليس مجرد مؤشرات تقنية، بل هو شهادة دامغة على فشل السياسات الحكومية في لجم التضخم وضبط السوق، وعلى عجزها في ترجمة الوعود الانتخابية إلى إجراءات ملموسة. والنتيجة أن المغاربة أصبحوا يواجهون كل يوم معركة البقاء، بينما يعيش السياسيون في برجهم العاجي، يوزعون الوعود ويحصون الأرباح.
فإلى متى سيظل المواطن يؤدي ثمن ارتباك السياسات العمومية؟ وإلى متى سيبقى التضخم شماعة تعلق عليها الحكومة إخفاقاتها؟ المؤكد أن أزمة الثقة بين الشارع والمؤسسات آخذة في التعمق، وأن الأرقام مهما حاولت الحكومة تجميلها، تفضح واقعاً قاسياً عنوانه: القدرة الشرائية في الحضيض، والسياسة الحكومية خارج التغطية.






