ملف الأحد:قصة الطبيب النفسي بفاس: من عالم البحث عن الدواء إلى عالم تعاطي الكوكايين والشذوذ الجنسي واغتصاب الضحايا من كل الأطياف الاجتماعية

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي
حينما فتح الطبيب النفسي بفاس عيادته لاستقبال مرضاه، لم يكن يتخيل أحد أنه سيتحول إلى كابوس مأساوي على الواقع النفسي والاجتماعي للعديد من المواطنين. لم يكن يهمه قسم الأطباء ولا قسم الأخلاق الطبية التي أقسم عليها كل ممارس في المجال الصحي. لقد تحوّل إلى حالة مرضية معقدة، لكن ليس من نوع الأمراض التي يعالجها، بل من الأمراض التي يصعب علاجها لأنه نفسه صار أسير شهواته وغرائزه الجامحة التي قادته إلى الانحدار إلى متعاطٍ للكوكايين، أحد أخطر أنواع المخدرات الصلبة، ليصبح ذئبًا بشريًا لا يشبع من افتراس ضحاياه، الذين شملتهم دائرة الانتهاكات من نساء وفتيات ورجال ينتمون إلى مختلف الطبقات الاجتماعية، الذين استغلّهم مستخدماً قوته الطبية ونفوذه النفسي ليقنعهم بطقوسه المظلمة التي تدمّر لا تشفي.
ما كان من المفترض أن يكون ملاذًا للشفاء، تحوّل إلى بؤرة للرعب والفساد، حيث امتزجت ليالي رمضان، الليالي التي يُفترض أن تكون مفعمة بالتوبة والمغفرة، بأجواء التعاطي المكثف للكوكايين والشذوذ الجنسي القائم على الاستغلال والانحراف. استغل الطبيب تلك اللحظات الروحية لتحويل عيادته إلى وكر مظلم، لا يحمل سوى مزيج من التنويم المغناطيسي، الهيام الجنسي، والانهيار النفسي لضحاياه الذين تلاعب بأرواحهم ومصائرهم.
ضحايا متنوعون.. من كل طبقات المجتمع
الضحايا لم يكونوا من فئة اجتماعية محددة، بل تنوعوا بين فئات ومراحل عمرية مختلفة. هناك الموثقة التي جلبها بدافع قضايا بيع وشراء لم تكن لتتصور أن هذه التفاهمات ستنقلب إلى شبكة من الطقوس الغربية الغريبة التي استبدلت فيها أجواء العلاج بأجواء مظلمة من الانتهاك والتدمير. لم تكن لتتخيل أن عيادة الطبيب، التي من المفترض أن تقدم الدعم النفسي، ستصبح مكانًا لتفريغ كل أنواع الانتهاكات الجنسية.
أما الطالبة في كلية الطب بفاس، التي لجأت إليه تحت وطأة الضغوط النفسية الهائلة، كانت ضحية لطموح الطبيب الذي استغل ضعفها النفسي ليجعل منها أكثر من مجرد مريضة، بل كائنًا مأزومًا أجبر على تعاطي الكوكايين، ثم دفع بها قسرًا إلى ممارسة الجنس، ولم تتوقف المعاناة عند هذا الحد، فقد استخدم التنويم المغناطيسي لإخضاعها وإخماد مقاومتها، مما يؤكد أن انخراطه في استغلال الضحايا تجاوز الحدود الأخلاقية والطبية إلى جرائم مخيفة.
حتى أستاذ جامعي، من المفترض أن يكون منارة للعلم والأخلاق، وجد نفسه في شرك الطبيب، حيث استبدلت المدرجات بعيادة الاستغلال الجنسي. كذلك المصور الفوتوغرافي الذي كان من المفترض أن يسجل الفن والجمال، سقط في دوامة توثيق الانتهاكات نفسها، ليصبح شاهدًا على جريمة مروعة بدلاً من كونه فنانًا.
لا يفوتنا أن نذكر بارون المخدرات المعروف في المدينة الذي لم يكن بعيدًا عن هذه الشبكة المظلمة، بل كان شريكًا في تأمين مخدرات الكوكايين التي استُخدمت كأداة أساسية في التحكم بالضحايا. هذه الشبكة لم تقتصر على الطبيب فقط، بل ضمت شقيقه، الذي شاركه في التمثيل لهذه الجرائم، حيث تعذّبا ضحاياهما بأبشع الأشكال من التعذيب الجنسي والسادي، مما يعكس الانحراف الأخلاقي الشديد الذي استشرى في هذه الأسرة.
العيادة.. وكر الفساد والتحريض على الجريمة
علاقة الطبيب المشبوهة مع صاحبة رياض شهيرة في فاس تؤكد مدى اتساع شبكة الفساد التي استثمرها للتحكم في ضحاياه واستغلالهم، حيث حوّل عيادته إلى استوديو لتصوير أفلام إباحية من نوع “البورنو”، كانت هذه الأفلام المسجلة أدلة دامغة ضدّه.
انكشفت هذه الجريمة حين رصدت زوجته مواداً إباحية على هاتفه، وهي اللحظة التي أطلقت شرارة التحرك القضائي والشرطي، حيث تدخلت الفرقة الجهوي للشرطة القضائيةبفاس بسرعة وصرامة، وفتحت أبحاثا موسعة و ذلك بتعليمات النيابة العامة المختصة لإسقاط هذا الطبيب وأعوانه.
مع ذلك، وحتى بعد اعتقاله، تبقى قصة الضحايا مفتوحة، إذ يترقب الكثيرون نتائج التحقيقات التي يتوقع أن تكشف مزيدًا من الحقائق المخيفة التي ستعيد تسليط الضوء على حجم الانحراف الأخلاقي والاجتماعي الذي نخر هذه العيادة الملعونة.
القضية تجاوزت الاعتداءات الفردية، لتصل إلى ملف شامل عن الاتجار في البشر واستغلال الحالات النفسية الهشة التي استهدفها الطبيب للسطو على أجساد وأرواح ضحاياه، وهو ما يفتح الباب واسعًا أمام مناقشة أعمق عن خطورة غياب الرقابة الحقيقية على مثل هذه المؤسسات الطبية الخاصة.
مآلات المريض… من شفاء المرضى إلى تدمير الأرواح
ما كان الطبيب النفسي يفترض أن يكون منقذًا ومُعالجًا، انتهى به المطاف مرسلاً لأبشع أنواع الهلاك على المرضى، حيث صار يُروج للكوكايين، وينشر الهوس الجنسي بطقوسه الخاصة، ويجعل ضحاياه مدمنين على المهلوسات والنزوات الجنسية التي لا تعرف حدًا.
لا يمكن فصل الممارسات القذرة التي مارسها عن الأثر النفسي العميق الذي تركه في نفوس ضحاياه، إذ أقرّ بعضهن في التحقيقات الرسمية أن الطبيب لم يكتفِ بالتحكم الجنسي، بل كان يراودهن عن أنفسهن، غرس في ذاكرتهن اعتمادًا نفسيًا وعاطفيًا على الكوكايين، ما زاد من تعقيد حالتهن النفسية، وجعلهن أسرى لإدمان مركب من الانحراف العقلي والجسدي.
هذا الأمر يستدعي وقفة جادة أمام قدرة الطبيب على تدمير لا فقط جسد المرضى بل أرواحهم، خاصة أولئك الذين لجأوا إليه طلبًا للعلاج والراحة النفسية، فكان لهم كما لو أنهم وقعوا في فخ مظلم لا مهرب منه.
الظاهرة… بين هشاشة الرقابة وغياب الحماية
هذه القصة ليست واقعة منعزلة، بل هي صورة معبرة عن هشاشة أنظمة الرقابة في المغرب، خصوصًا في المهن الطبية التي تتطلب حساسية وأمانة كبيرة. غياب المراقبة الفعلية والتفتيش المنتظم مكن الطبيب من تنفيذ جرائمه على مدار سنوات دون رقيب.
تكشف القضية أيضًا ضعف آليات حماية المرضى، خاصة في تخصصات الطب النفسي التي غالبًا ما تتعامل مع مرضى معرضين للهشاشة النفسية والاجتماعية، ما يجعلهم هدفًا سهلًا للاستغلال.
الأمر يثير تساؤلات عن كيف استطاع الطبيب أن يتحول من مداوٍ إلى جلاد، ومن رمز للشفاء إلى رمز للدمار، دون أن تُكشف أفعاله إلا بعد سنوات من الانتهاكات. هل تعاني المؤسسات الصحية من ضعف داخلي؟ هل هناك محاباة أو تقصير متعمد في متابعة ممارسات بعض الأطباء؟ وهل ستعمل السلطات على تنفيذ إصلاحات حقيقية لمنع تكرار مثل هذه الفواجع؟
قصة الطبيب النفسي بفاس ليست مجرد ملف قضائي عادي، بل هي مرآة قاتمة تعكس أمراضًا مجتمعية عميقة ومركبة، حيث تتشابك الأمراض النفسية مع الفساد الأخلاقي، وتتداخل الجرائم الشخصية مع ضعف المؤسسات الرقابية.
القضية تُشير إلى ضرورة ماسة لبناء منظومة حماية متينة، تنهي التلاعب بالمهن الطبية، وتفرض العقوبات الصارمة على كل من يستغل منصبه للإضرار بالآخرين،ووفقًا لإحصائيات رسمية من وزارة الصحة المغربية، يشكو ما يزيد عن 30% من المواطنين من مشاكل نفسية، ويُعتبر القطاع النفسي في المغرب من أكثر القطاعات حاجة إلى تنظيم ورقابة صارمة. ومع ذلك، أظهرت دراسات أن أكثر من 60% من العيادات الخاصة لا تخضع لرقابة منتظمة، ما يفتح الباب أمام الاستغلال.
كما تشير دراسات نفسية محلية إلى أن المرضى النفسيين أكثر عرضة للاستغلال والانتهاك بسبب هشاشة حالتهم، الأمر الذي يفرض على الدولة والهيئات المهنية وضع ضوابط صارمة للحماية.
كما يجب على الجهات الرسمية والاجتماعية أن تستغل هذه المأساة لتعيد النظر في آليات تنظيم المهنة الطبية وتطوير الرقابة لضمان ألا يتحول الطبيب المنقذ إلى ذئب مفترس يفتك بأرواح المرضى، ويقضي على كرامتهم وأحلامهم.
مآسي الضحايا الذين يعانون الآن تستوجب استنهاض الجهود لوضع حدٍ لمثل هذه الجرائم التي تلوث سمعة القطاع الصحي وتدمر حياة أبناء المجتمع المغربي.






