مسيرات “غزة”.. هل تتحول إلى منصة انتخابية لحزب العدالة والتنمية؟

تشهد الساحة المغربية خلال الأسابيع الأخيرة تصاعداً لافتاً في الدعوات إلى تنظيم مسيرات تضامنية مع الشعب الفلسطيني، في ظل ما يتعرض له قطاع غزة من عدوان مستمر. غير أن هذا الحراك الجماهيري، الذي ينطلق من منطلقات إنسانية وتضامنية في ظاهره، لم يلبث أن اتخذ أبعاداً سياسية خفية، تُعيد إلى الواجهة إشكالية توظيف القضايا الخارجية في صراع المواقع الداخلية، وخصوصاً من طرف بعض التيارات الإسلامية التي ترى في الشارع فرصة للعودة إلى دائرة النفوذ بعد تراجعها في واجهات مؤسساتية.
التحركات الأخيرة أظهرت أن الشارع لم يعد فقط فضاء للتعبير عن الغضب أو التضامن، بل بات يشكل منصة بديلة لإعادة تشكيل موازين القوى، خصوصاً لدى التنظيمات ذات التوجه الإسلامي، التي تحاول الاستفادة من الزخم الشعبي حول القضية الفلسطينية للتموقع من جديد، عبر تعبئة قواعدها وتوسيع قنوات تأثيرها الرمزي والسياسي، بعيداً عن رقابة المؤسسات الرسمية.
هذا التوظيف، الذي يتم تحت يافطة “القضية”، لا يخلو من مخاطر حقيقية، خاصة مع انتشار دعوات غير مؤطرة قانونياً للخروج في مسيرات غير مرخصة، تتغذى على خطاب تعبوي موجه ومشحون بالعاطفة الدينية والسياسية، ما يفتح المجال لانزلاقات خطيرة تمسّ بطبيعة السلمية التي لطالما ميزت التظاهر بالمغرب. الأسوأ من ذلك، أن بعض هذه الدعوات باتت تتضمن لغة مواربة تتحدث عن “ضرورة التصعيد” و”لفت انتباه الدولة”، في ما يبدو محاولة لإضفاء شرعية مؤقتة على أفعال قد تنتهي إلى أعمال عنف أو فوضى ميدانية.
الخطاب المزدوج الذي تسوقه هذه الأطراف، والذي يزاوج بين الدعوة للسلمية والتحريض على التمرّد الرمزي، يعكس حالة من التناقض السياسي، ويطرح تساؤلات عميقة حول النوايا الحقيقية الكامنة خلف هذه التعبئة، خصوصاً إذا ما قُرئت في سياق الاستعدادات المبكرة لبعض القوى للمواعيد الانتخابية المقبلة، التي يُرجّح أن تعيد فتح معركة السيطرة على المجال الديني والشعبي.
في خضم هذا الوضع، يطرح الشارع تساؤلات حقيقية حول مدى استقلالية هذا الحراك التضامني، وحول إن كان صوت الضمير الشعبي يتم توجيهه من طرف جهات تستثمر في الرمزية الدينية والشعارات العاطفية، لأهداف قد لا تمت بصلة للمأساة التي يعيشها الفلسطينيون، بقدر ما ترتبط بحسابات داخلية لإعادة تشكيل النفوذ أو فرض شروط سياسية جديدة.
وفي الوقت الذي تلتزم فيه بعض الجهات الصمت، فإن جهات أخرى بدأت تطلق تحذيرات واضحة من مخاطر انحراف هذه التعبئة عن مسارها الطبيعي، في ظل هشاشة السياق الإقليمي، وتصاعد التوترات، وعودة بعض الأصوات التي تروّج لنمط من الاحتجاجات غير المؤطرة والتي قد تفتح البلاد على سيناريوهات فوضوية، لا تخدم لا القضية الفلسطينية، ولا استقرار الدولة.
إن اختلاط النوايا في الشارع المغربي بين التضامن الإنساني والاستثمار السياسي يعيد طرح السؤال الكبير: هل يُراد للقضية الفلسطينية أن تكون فقط منصة لتصفية الحسابات الداخلية، ولإعادة تدوير تيارات فشلت في الحفاظ على مكانتها في المشهد الرسمي؟ أم أن هذا الغضب الشعبي سيتمكّن من الحفاظ على استقلاليته بعيداً عن التوظيف والتأطير الموجّه؟






