قضايا

22 مليار في مهب النفايات.. فاس تغرق في الأزبال والمجلس الجماعي خارج التغطية!

فاس24 | وحدة التحقيق والتحليل

رغم التصويت على صفقات نظافة وصفت حينها بالضخمة والواعدة، بلغت قيمتها 22 مليار سنتيم، لا تزال شوارع فاس تغرق وسط الأزبال، في مشهد لا يعكس فقط فشلًا تقنيًا في تنزيل المشاريع، بل يفضح حالة قصور سياسي وهيكلي في التسيير المحلي، ويعرّي مشروعًا اختفى أثره منذ الوهلة الأولى. مرّت عشرة أشهر على تمرير صفقات قطاع النظافة من طرف المجلس الجماعي، حيث فازت شركتان بالتدبير، الأولى SOS في فاس المدينة وجنان الورد، والثانية مكومار التي استحوذت على أربع مقاطعات كبرى هي سايس، زواغة بنسودة، المرينيين وأكدال، ومع ذلك لم يتغير شيء، بل زادت الأوضاع سوءًا، وتحولت أحياء فاس إلى مرتع للنفايات وتنامي نقط سوداء في الأزقة والساحات وواجهات المؤسسات العمومية.

العمدة البقالي، الذي بالغ في الترويج لمشروع الصفقات الجديدة، ظهر عند أول امتحان بلا رؤية ولا قدرة على الإقناع، وعجز تمامًا عن تفسير ما يحدث على الأرض، حيث ظل يردّد خطابًا مكرّرًا عن استراتيجية جديدة وتقنيات حديثة في جمع النفايات، لكنه لم يستطع حتى تدبير مرحلة انتقالية بسيطة ظلت تُدار بنفس الأسطول المتقادم واليد العاملة المنهكة والحاويات الصدئة و المهترئة التي تعود لعهد الشركة المطرودة، لم يوضح المجلس كيف تُصرف الميزانية الضخمة، ولا لماذا لم يتم اقتناء آليات جديدة، ولا من يستفيد فعليًا من هذه الصفقات، بل لم يكلف نفسه حتى عناء التواصل مع الساكنة الغارقة في الروائح والمكبات العشوائية التي تقفز كل يوم من حي إلى آخر،العمدة لجأ إلى محاولة “تجميل” الواقع بتثبيت ملصقات تحمل صورة جامع القرويين على حاويات وشاحنات الأزبال. هذا التصرف لا يتناسب مع حجم الأزمة، ويكشف عن انفصال بين المسؤولية الفعلية ومحاولة تزييف الواقع، بدلًا من مواجهته بحلول عملية،حاول تسخير الإرث التاريخي و الموروث الديني لتثبيت ملصقات على الحاويات و شاحنات الأزبال و هو ما يسائل نجاعة الجهات المسؤولة للتدخل لإزالة قرارات العار.

العار كل العار أن تكون مدينة تاريخية كفاس، تستقبل آلاف الزوار وتضم مئات المعالم والمواقع، تحت رحمة صفقات تدار بمنطق المحاباة وغموض العتمة، وبلا تقييم، وبلا محاسبة، وبلا كرامة حتى لعمال النظافة الذين يشتغلون بأدوات منهكة وأجور غير محفزة. ما وقع يكشف أن دفتر التحملات لم يكن سوى غطاءً سياسياً لتمرير واقع قديم بأسماء جديدة و بصفقة ضخمة ، وأن المجلس الجماعي برئاسة البقالي لم يجرؤ حتى على تفعيل بند بسيط يُلزم الشركات بتجديد الأسطول خلال ستة أشهر الأولى، والتي مرّت دون أن يتحرك أحد. لم ير المواطنون أي شاحنة جديدة، لم تُزرع حاويات حديثة، لم يظهر أثر لأي ابتكار، فقط استمرار في نفس الممارسات التي كانت تُنتقد، لكن هذه المرة بصمت رسمي يُغذي الريبة ويطرح أكثر من علامة استفهام.

فاس، اليوم، لا تعيش أزمة نظافة فحسب، بل أزمة ثقة عميقة بين الساكنة ومجلسها، بعدما تبين أن ما تم تقديمه لهم لم يكن سوى واجهة إعلامية تخفي خلفها صفقات تفتقد للجرأة وللنزاهة وللإرادة السياسية الحقيقية. صفقات صُمّمت لتُستهلك في الجلسات، لكنها لم تصل إلى الأزقة ولا إلى الحاويات ولا إلى رئات السكان التي تختنق يوميًا بسبب التراخي والفوضى وغياب أي مراقبة فعلية. الجهات المفترض أن تراقب انكمشت وتراجعت، وبعضها غض الطرف وكأن الأمر لا يعنيه، فيما تُصرف الميزانيات دون نتائج تذكر. العمدة البقالي، الذي منح لنفسه صفة المنقذ، يغلق قنوات التواصل، ويكتفي بالاختباء وراء تقارير مجمّلة بينما المدينة تنهار من الداخل، كأنه يحكم من مدينة أخرى لا تسكنها الأزبال ولا تختنق فيها الأزقة.

أمام هذا الواقع البيئي الخطير، الذي ينذر بكارثة صحية في حال استمرار التراخي، تعالت الأصوات المطالِبة بتدخل لجنة مركزية من وزارة الداخلية، من أجل التحقيق في مآل صفقات الـ22 مليار، والوقوف على أسباب فشل تنزيلها، وتحديد المسؤوليات المباشرة داخل المجلس والشركات.

وحدها فاس تدفع الثمن، وساكنتها التي تلتزم بإخراج النفايات ليلاً تستفيق كل صباح على أكوام أكبر وروائح أفظع، دون أن يفكر أحد في مساءلة من منح الملايير لشركات لا تقدم شيئًا. فصل الصيف بات يُنذر بكارثة صحية وبيئية، بينما المجلس يلوذ بالصمت، وكأن كل ما يحدث لا علاقة له بالوعود الموثقة، ولا بالمسؤولية التي أقسم العمدة نفسه على تحمّلها. فهل يُعقل أن تمر أشهر وأشهر ولا نرى أثرًا لما وُصف بأنه أكبر استثمار في تاريخ نظافة المدينة؟ وهل يُعقل أن تُترك الأحياء تعيش تحت أطنان من القمامة، لمجرد أن من يدبر لا يجرؤ على الاعتراف بالفشل، ولا يملك الشجاعة ليقول الحقيقة؟

ما يجري ليس مجرد تقصير، بل هو إهمال ممنهج ومكلف، يُسيء إلى صورة مدينة بحجم فاس، ويطرح بإلحاح الحاجة إلى تدخل حازم يعيد الأمور إلى نصابها قبل أن تنهار كل أسس الثقة، ويصبح المال العام مجرد غنيمة بلا أثر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى