سياسة

وزير الصحة يُقدّم مدراء المستشفيات كقربان لإخماد الاحتجاجات و غضب المواطنين و مطالب بإقالته

في مشهد يُذكّر باستعراضات السياسيين في لحظات الانهيار، اختار وزير الصحة أمين التهراوي اليوم الثلاثاء 16 شتنبر الجاري أن يهرول نحو الحل الأسهل: تقديم عدد من المدراء والأطر الصحية كقربان لإخماد غضب الشارع بعد فضيحة مستشفى الحسن الثاني بأكادير. قرارٌ ارتجاليّ، سريع، وذو أثر رمزي بحت — لكن هل يطفئ النيران؟ الجواب قاطع: لا.

افتعال الحلول الشكلية في مواجهة انهيار بنيوي

الإعفاءات الإدارية التي صدرت ليست سوى لاصق جلدي على جرح مفتوح. القطاع الصحي يعاني أعطاباً هيكلية ممتدة: بنية تحتية مهترئة، أجهزة مخبرية باعتلالات متكررة، نقص الأدوية والمستلزمات، اختلالات في تدبير الموارد البشرية، وسياسات عمومية غائبة أو مرتبكة. إزاحة بعض الوجوه البسيطة لن يصلح منظومةً فاسدةً أو مُهمَلة منذ سنوات.

الوزير: لا استقالة ولا مساءلة سياسية حقيقية

المشهد الأشد وقاحة هو تريث الوزير في المكانة بدلاً من تقديم الاستقالة التي تفرضها أخلاقيات المحاسبة السياسية. لانه حوالي سنة و ام يظهر له اثر ترك القطاع يغرق الى حين انفجار الاحتجاجات ،المسؤولية هنا سياسية بالدرجة الأولى؛ ومنطق تقديم القرابين من الأطر الصغرى يبرّر للبعض بقاء الرأس الأكبر في مكتبه. هذا ما أغضب أكثر من مجرد المواطنين — فقد أشعل غضب الأطر الإدارية والطبية الذين رأوا في هذه القرارات تحايلاً على المحاسبة الحقيقية.

نهج “رجال الأعمال” في تدبير الصحة: إهمال الخدمة واحتراف الصفقات

ما يجري ليس حادثة محلية معزولة، بل ترجمة لسياساتٍ حكومية يهيمن عليها منطق رجال الأعمال: الأولوية للصفقات والمصالح الضيقة على حساب صحة المواطن. عندما تتحوّل الوزارات إلى غرف لصياغة مصالح خاصة، تصبح المستشفيات مسرحاً لانكشاف العجز في أبسط شروط الرعاية.

أن تضحّي بالأطر أم أن تُحاسب الرأس؟ مفاضلة أخلاقية وسياسية

إعفاء موظفين دون فتح تحقيق مستقل وشفاف سيؤدي إلى:

زعزعة معنويات الطاقم الطبي والإداري.

دفع مزيد من الأطر إلى احتجاجات داخلية قد تتسع.

إيهام الرأي العام بأن الأزمة «تمت معالجتها» بينما تتسرب الأمراض نفسها إلى مستشفيات أخرى.

هكذا يكشف المشهد عن فشل في التسيير والحدس السياسي

أقوال تُروى عن سلوكيات سابقة لمسؤولين استُوزروا لكونهم “مقربين” أو “أصحاب مصالح” تضيف بُعداً آخراً للشك والريبة. وسواء صدقنا أو لم نصدق كل حكاية، فإن النتيجة واحدة: غياب مقتضيات الكفاءة والشفافية في اختيار المسؤولين. وفي بلد يُعدّ مدناً مثل أكادير لاحتضان تظاهرات عالمية، يصبح فشل الصحة فضيحة دولية محتملة.

ماذا كان يجب أن يحصل؟ خارطة طريق عاجلة

فتح تحقيق قضائي وإداري مستقل قابله إعلامي شفاف — لا مساومات ولا تصفية حسابات شكلية.

تعليق أي قرار إعفاء نهائي حتى انتهاء التحقيقات، مع حماية للموظفين من الانتقام.

خطة إنقاذ طارئة للمستشفى تتضمن توريد أجهزة ومستلزمات، وإرسال فرق دعم من الصحة العمومية، وتمويل فوري.

تشكيل لجنة وطنية لمراجعة السياسات الصحية تضم خبراء مستقلين ونقابات وممثلين عن المجتمع المدني.

محاسبة سياسية: إذا كانت الأخطاء نتيجة لفشل في التسيير السياسي أو لمحاباة مصالح خاصة، فالمحاسبة يجب أن تطال رؤوس الهرم قبل أن تُفقر قواعد الجهاز.

إعفاءات الصغار ليست سوى مسرحية إطفاء رمزية. القضية أعمق: نظام تسييرٍ أفسد قطاعاً حيوياً وحوّله إلى عبءٍ على المواطن. إن أردنا أن نوقف النزيف والانتظارات الطويلة والمآسي في أقسام الإسعاف، فعلينا أن نغيّر القواعد، لا أن نبدّل الوجوه. وإلى أن يحصل ذلك، سيظل المواطن ضحية لعبة سياسية لا تعترف إلا بالمكاسب والصفقات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى