ملف الأحد:خطاب العرش 2025: فوارق مجالية تفجّر الأسئلة الحارقة وتحضيرات انتخابية تعيد تشكيل المشهد السياسي

فاس 24 – ملف الأحد من إعداد – عبدالله مشواحي الريفي
في خطاب وُصف بأنه الأوضح والأقوى منذ سنوات، وجه جلالة الملك محمد السادس، مساء 29 يوليوز 2025، خطاب سامي إلى الأمة بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لجلوسه على عرش أسلافه المنعمين، عبّر فيها عن قلقه من استمرار التفاوتات الاجتماعية والمجالية، داعيًا إلى نقلة نوعية في التنمية المحلية، كما أعلن انطلاق التحضير المبكر للانتخابات التشريعية المقبلة، في خطوة محمّلة بدلالات سياسية عميقة، خاصة بعد تكليفه الصريح لوزارة الداخلية بتدبير هذا الورش بدل رئاسة الحكومة.
إنه خطاب ليس كسابقيه، بل أشبه بجرس إنذار مدوٍّ، يقرّ بوجود “مغرب يسير بسرعتين”، ويحثّ على تصحيح المسار قبل أن تتفاقم الفوارق ويتعمق الانفصال الاجتماعي بين المغاربة.
الملك ينتصر للقرى المهمشة ويقرّ بمغرب بسرعتين
لم تكن دعوة الملك إلى “نقلة حقيقية” في التنمية المندمجة مجرد مطلب تنموي عادي، بل كانت اعترافًا ضمنيًا بحقيقة مرة: أن النموذج التنموي الحالي، رغم ما حققه من مكاسب على مستوى المؤشرات الاقتصادية الكبرى، لا يزال عاجزًا عن ملامسة الواقع القاسي للمناطق النائية والقرى المهمشة.
لقد بدا واضحًا من الخطاب أن جلالة الملك كان مطلعًا عن كثب على موجات الغضب المتصاعدة من “العطش القروي”، ومظاهر الإقصاء المزمن التي يعاني منها المواطنون في الأطلس والريف وواحات الجنوب الشرقي. إنها ليست فقط احتجاجات على ندرة الماء، بل صرخة على غياب الحد الأدنى من الكرامة، والبنية التحتية، والمرافق الصحية والتعليمية، وفرص الشغل.
الملك لم يلتف على هذه الحقيقة، بل واجهها بشجاعة، حين أشار إلى أن المغرب يشهد تفاوتًا حادًا، بين مدن تنعم بقطارات “البراق” ومناطق بالكاد تعرف طريقًا معبدًا، بين شباب يطرق أبواب الصناعات الرقمية، وآخرين ما زالوا ينتظرون قنينة ماء تصلهم في شاحنة جماعية .
فوارق مجالية تُهدد الاستقرار الاجتماعي
في العمق، لم تكن دعوة الملك لإطلاق جيل جديد من البرامج التنموية دعوة تقنية، بل سياسية بالدرجة الأولى. إذ حمل الخطاب الملكي رسالة قوية إلى من يعنيهم الأمر: إن الفوارق المجالية ليست فقط قضية عدالة، بل أصبحت تهدد السلم الاجتماعي وتغذي الإحباط الجماعي، وقد تتحول مع الوقت إلى بيئة خصبة للتطرف والانفجار الاجتماعي.
الملك حدد أربعة محاور و خارطة طريقق رباعية واضحة لهذه النقلة المنشودة:
-
تشغيل محلي يرتبط بالخصوصيات المجالية
-
تعزيز الخدمات الاجتماعية، لا سيما الصحة والتعليم
-
إدارة فعالة ومستدامة للموارد المائية
-
تأهيل شامل للتراب الوطني بنظرة اندماجية
هذه الرؤية، إن طُبقت فعليًا، ستكون بمثابة تصحيح لمسار تنموي طغى عليه المركز على حساب الهامش، وترك ملايين المغاربة خارج المعادلة، يراقبون قطار التنمية من بعيد دون أن يُسمح لهم بركوبه.
الملك ينتقد ضمنيًا أداء الحكومة ويبعدها عن تدبير الانتخابات
في تحول دقيق لكن بالغ الدلالة، أعلن جلالة الملك عن تكليف وزير الداخلية بالإعداد للاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، مشددًا على أن المنظومة القانونية المنظمة يجب أن تُعتمد قبل نهاية 2025. هذا القرار لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي الحالي، حيث تعيش الحكومة أزمة ثقة داخلية وخارجية، وتُتهم بالعجز عن إدارة ملفات حيوية، من ارتفاع الأسعار، إلى أزمة الماء، إلى ضعف الحوار الاجتماعي.
من المعروف أن رئيس الحكومة، يُفترض أن يكون على رأس التحضير للاستحقاقات السياسية، لكن الخطاب الملكي أزاحه من هذا الدور، وأسنده إلى وزارة الداخلية، التي عُهد إليها الإشراف الكامل، من المشاورات مع الأحزاب إلى الإعداد القانوني.
إنها رسالة صريحة بأن المؤسسة الملكية لم تعد تضع كامل ثقتها في قدرة هذه الحكومة على ضمان انتخابات نزيهة وفعالة. وربما هي أيضًا دعوة ضمنية للأحزاب لإعادة ترتيب أوراقها، استعدادًا لمنافسة أكثر جدية في 2026.
انتخابات 2026: رهان الملك على نزاهة المؤسسات وصحوة المواطن
منذ اعتلائه العرش سنة 1999، ظل الملك محمد السادس يكرر في أكثر من خطاب أن احترام الآجال الانتخابية ليس ترفًا ديمقراطيًا، بل تعبير عن نضج المؤسسات. وهو ما أكد عليه مجددًا في خطابه الأخير، حين شدد على ضرورة الإعداد المسبق والشفاف للانتخابات.
لكن ما يُميز الخطاب في كل السنوات هو إشارة الملك إلى “مسؤولية المواطن فيمن يصوّت عليه”. ففي لغة تجمع بين النقد والمساءلة، حمّل الخطاب الناخبين مسؤولية اختيار ممثليهم، وضمنيًا مسؤولية تدهور بعض المؤسسات حين تُفرزها صناديق الاقتراع على أساس الولاءات الضيقة أو المصالح الفئوية.
هي دعوة ملكية إلى صحوة جماعية: فالديمقراطية ليست فقط نزاهة في التنظيم، بل وعي في الاختيار. والملك، من موقعه الدستوري، يحفز على بناء ثقافة سياسية جديدة، يكون فيها المواطن فاعلًا لا مجرد تابع، والمحاسبة واجبًا لا استثناء.
الدولة الاجتماعية: ركيزة الاستقرار ومستقبل النموذج المغربي
جانب آخر لافت في الخطاب هو التأكيد الملكي على أهمية الحماية الاجتماعية في خفض الفقر وتعزيز مؤشرات التنمية البشرية. فالملك أعلن بوضوح أن المغرب تجاوز لأول مرة عتبة الدول ذات التنمية البشرية العالية، وأن الفقر متعدد الأبعاد تراجع إلى 6.8%.
لكن خلف هذه الأرقام، تبرز رؤية ملكية أعمق: الدولة ليست فقط جهازاً أمنياً أو سلطة ضريبية، بل رافعة للكرامة، وضمان للعدالة، وصمام أمان ضد الهشاشة.
وإذا كان ورش الحماية الاجتماعية قد انطلق بتوجيهات ملكية قبل سنوات، فإن الخطاب الأخير يمنحه دفعة جديدة، داعيًا إلى توسيع أثره ليشمل ليس فقط الدعم، بل التمكين، ليس فقط التغطية، بل الإدماج الاجتماعي والمهني.
رسائل سياسية إقليمية: يد ممدودة للجزائر ودعم راسخ للصحراء
كالعادة، لم يخلُ خطاب العرش من بعده الجهوي والدولي، إذ جدد الملك دعوته للحوار مع الجزائر، مؤكدًا أن الاتحاد المغاربي لا يمكن أن يتحقق دون تعاون مغربي-جزائري مسؤول. ورغم برود العلاقات السياسية، ظل الخطاب الملكي ثابتًا في منطلقاته، واضعًا مصلحة الشعوب فوق الحسابات الظرفية.
وفي قضية الصحراء، عاد الملك ليؤكد الموقف المغربي الثابت، مشيدًا بدعم دول كبرى كالمملكة المتحدة والبرتغال لمقترح الحكم الذاتي، في ما اعتبره المراقبون تعزيزًا للزخم الدبلوماسي المغربي في هذا الملف.
الختام برسالة وفاء: تقدير للقوات الأمنية وتكريم للشهداء
في لمسة إنسانية عميقة، اختتم الملك خطابه بتحية خاصة لقوات الأمن والجيش والإدارة، مستحضرًا تضحياتهم في سبيل استقرار البلاد، ومترحمًا على أرواح الشهداء، وعلى رأسهم الملكان الراحلان محمد الخامس والحسن الثاني.
إنها رسالة وفاء لمن صنعوا مجد هذا الوطن، وهي في الوقت ذاته دعوة للاستمرار في خدمة المغرب بعزيمة وتضحية.
المغرب أمام منعطف الإصلاح الشامل أو اتساع الهوة
خطاب العرش لسنة 2025 لم يكن مجرد لحظة احتفالية تقليدية، بل وثيقة سياسية عميقة، تنبه إلى اختلالات مزمنة، وتؤسس لمنعطف حاسم في مسار الدولة المغربية. فمن خلال مكاشفة مباشرة حول الفوارق المجالية والاجتماعية، وتحذير ضمني من مغرب يسير بسرعتين، إلى إعلان صارم بتحصين المسار الديمقراطي وتطهيره من العبث والارتجال، يكون الملك قد وضع خارطة طريق غير قابلة للتأجيل.
هي دعوة إلى كل الفاعلين، من مؤسسات وأحزاب ونخب ومواطنين، للالتحاق بورش بناء مغرب العدالة الاجتماعية، والكرامة المجالية، والمؤسسات الفعالة. فإما أن يكون الجميع في مستوى التحول المنتظر، أو نُخاطر بمزيد من الانفصال بين الدولة والمجتمع، بين المركز والهامش، بين الخطاب والتنفيذ.
إن اللحظة الراهنة تتطلب ما هو أبعد من البرامج والموازنات؛ إنها لحظة لإعادة ترتيب العلاقة بين الحاكم والمحكوم، على أساس الإنصاف، والمسؤولية، وربط السلطة بالمحاسبة. وهذا هو جوهر الدولة الاجتماعية كما يريدها الملك: دولة ترعى، وتخدم، وتحمي، لا تُملي وتُقصي وتُبرر.
المغرب اليوم يقف على أعتاب فرصة تاريخية لتصحيح المسار. فهل تلتقط النخب السياسية والإدارية والإعلامية هذه الإشارة الملكية؟ وهل يرتقي المواطن إلى مستوى الفعل الانتخابي المسؤول؟ تلك هي الأسئلة الحاسمة التي سيُجيب عنها الزمن، لكن المؤكد أن التوجيه واضح، والرهان كبير، والعاهل المغربي رسم الطريق بدقة لا تحتمل التأويل.






