مجتمع

مقال تحليلي:بين مطرقة تحرير الملك العمومي وسندان الاقتصاد غير المهيكل.. أين موقع الفئات الهشة في سياسة الدولة؟

في مشهد يتكرر عبر مختلف مدن المغرب، تُباشر السلطات المحلية حملات لتحرير الملك العمومي من الباعة الجائلين والمستغلين غير القانونيين للفضاءات العمومية. حملات تبدو من الوهلة الأولى ضرورية لتنظيم المجال الحضري ومواجهة الفوضى، غير أن آثارها الاجتماعية تطرح أكثر من علامة استفهام، في ظل غياب بدائل واقعية للفئات التي تعيش على هامش الاقتصاد الرسمي.

تأتي هذه الإجراءات بعد مرور أكثر من عشرين عامًا على إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، المشروع الملكي الذي جعل من محاربة الهشاشة والإقصاء ركيزة لبناء نموذج تنموي منصف. غير أن التباعد بين السياسات المعلنة والواقع الميداني يعيد طرح سؤال جوهري: هل نجحت الدولة في إدماج الفئات النشيطة في الاقتصاد غير المهيكل؟ أم أن المقاربة الزجرية لا تزال تطغى على منطق الإدماج والتأهيل؟

الواقع يكشف أن الإجراءات المتخذة لتحرير الأرصفة والساحات لم تترافق في كثير من الحالات بحلول بديلة تحفظ كرامة المتضررين. مئات من الباعة الجائلين وجدوا أنفسهم بين عشية وضحاها دون مصدر دخل، يُطارَدون من شارع إلى آخر، في مشهد يخلّف احتقانًا متزايدًا داخل الأحياء الشعبية.

تجارب “الأسواق النموذجية” التي رُوّج لها كبديل، غالبًا ما باءت بالفشل، إما بسبب بعدها عن التجمعات السكنية، أو لضعف بنيتها التحتية، أو بسبب انعدام الجاذبية التجارية. ويجمع المهنيون على أن غياب التشاور مع المستهدفين من هذه المشاريع يجعلها حبرًا على ورق، لا تلامس حاجيات الواقع ولا تعكس منطقًا تشاركيًا حقيقيًا.

منذ إطلاقها سنة 2005، قدمت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية دعمًا كبيرًا لمشاريع مدرة للدخل، ووسّعت نسب الولوج إلى عدد من الخدمات الأساسية. لكنها، وفق تقارير ميدانية وملاحظات فاعلين اجتماعيين، لم تتمكن بعد من استيعاب الدينامية المعقدة التي يشكلها الاقتصاد غير المهيكل، خصوصًا في الحواضر الكبرى والمراكز الحضرية المتوسطة.

فالأنشطة غير الرسمية، من بيع متجول، وخدمات يومية، ونقل غير مهيكل، تمثل متنفسًا اقتصاديا لآلاف الأسر. إلا أن هشاشتها، وغياب التأطير المهني، وغياب الحماية الاجتماعية، كلها عوامل تجعل من إدماجها في الدورة الاقتصادية الرسمية تحديًا هيكليًا لم تنجح البرامج الحالية في مواجهته بالشكل المطلوب.

تبدو بعض التدخلات الميدانية أقرب إلى “حلول أمنية” منها إلى سياسات إدماج اجتماعي، في غياب رؤية شمولية تنطلق من فهم دقيق لطبيعة هذه الفئات وحاجياتها. فالتحرير الفوري للمجال لا يمكن أن يتحول إلى أداة تهميش جديدة، تعمق الفجوة بين “المدينة الرسمية” و”المدينة غير المرئية” التي يقطنها آلاف ممن يعيشون على اقتصاد الرصيف.

وهنا تبرز إشكالية العدالة المجالية، كأحد أهم التحديات في توزيع المشاريع والمرافق والفرص. فبدون مراعاة البعد المجالي، تظل التدخلات التقنية غير مجدية، بل قد تنتج عكس ما هو مرجو منها، من حيث تعزيز التهميش وتغذية الإحساس بالإقصاء لدى شرائح واسعة.

لا يمكن إنكار أن تحرير الفضاء العمومي ضروري للحفاظ على النظام الحضري، ولكنه يجب أن يكون جزءًا من رؤية إدماجية شاملة، تستند إلى مقاربة تشاركية، تدمج بعد الكرامة الإنسانية، وتستثمر في التكوين والتأطير، وتخلق فضاءات اقتصادية مهيكلة تضمن للفئات الهشة مورد رزق مستدام.

فالمواطن الذي يعيش من بيع الخضر على الرصيف أو من خدمة عابرة في الحي، لا يفعل ذلك ترفًا أو رغبة في الفوضى، بل لأنه لم يُمنح بديلاً واقعيًا يضمن له لقمة عيش كريمة. والتعامل مع هذه الفئات بمنطق الطرد والمنع فقط، لا يمكن أن يُنتج مجتمعًا متماسكًا أو مدينة متوازنة.

إن تحرير الملك العمومي يجب أن يكون فرصة لمراجعة شاملة لسياسات إدماج الاقتصاد غير المهيكل، لا لحظة زجرية عابرة. والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بما تحمله من رؤية ملكية متقدمة، مطالبة اليوم بأن تنتقل إلى السرعة القصوى في مقاربتها لهذه الفئات، من خلال دعم مباشر، وتكوين مستمر، وتمكين حقيقي يراعي شروط العيش والكرامة.

وحدها السياسة التي تدمج البعد الاجتماعي ضمن القرار الإداري، وتُشرك المواطن بدل استبعاده، قادرة على تحقيق التوازن بين النظام والعدالة، بين التنظيم الحضري والعيش الكريم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى