فشل تدبيري يضرب مشروع “الكيف المقنن” بتاونات: احتجاجات متصاعدة واختفاء مريب للعامل الكروج

يتواصل مسلسل التدهور الذي يضرب مشروع تقنين القنب الهندي بالمغرب، وهذه المرة من إقليم تاونات، حيث خرج عشرات المزارعين المنخرطين في تعاونيات محلية بدائرة غفساي، يوم الثلاثاء 5 غشت 2025، في مسيرة احتجاجية انتهت بوقفة حاشدة أمام مقر عمالة الإقليم، للمطالبة بصرف مستحقاتهم المالية العالقة منذ ما يقرب من عشرة أشهر، في ظل صمت غير مبرر ، وعلى رأسه مدير وكالة تقنين القنب الهندي العامل الكروج.
المحتجون، الذين يتوزعون على 11 تعاونية فلاحية، أكدوا أنهم سلّموا محاصيلهم من القنب الهندي إلى شركة مرخص لها في إطار القانون 13.21، دون أن يتلقوا أي تعويض مالي، رغم التزامات تعاقدية واضحة. ووفق شهادات موثقة، فإن أغلب الفلاحين تورطوا في قروض بنكية واقترضوا من السوق لتوفير تكاليف الزراعة، ليجدوا أنفسهم اليوم أمام الإفلاس دون أي تدخل يُذكر من الجهات المفترض أن تضمن احترام دفاتر التحملات وتنفيذ الالتزامات المالية.
تفاقمت الأزمة بعد حادث الحريق الذي أتى على مستودع تخزين تابع لنفس الشركة بحي الزريقة بجماعة غفساي منتصف يوليوز المنصرم. الحادث، الذي نُسب رسمياً إلى “تماس كهربائي”، فتح باب الشكوك حول طبيعته وتوقيته، خاصة بعد تملص الشركة من أداء ما بذمتها بذريعة فقدان المحصول، دون تقديم ضمانات أو تأمينات لصالح الفلاحين المتضررين.
الأخطر من ذلك، أن وكالة تقنين القنب الهندي لا يظهر لها اثر ،و كما لم تبادر إلى تفعيل أي إجراءات تعويضية، ما عمّق الشعور بالخذلان داخل أوساط الفلاحين. وقد رُصدت محاولات جديدة لإقناع التعاونيات بتوقيع عقود مع مستثمر آخر بشروط مجحفة، تتضمن تنازلاً صريحاً عن نصف القيمة السوقية للمحصول.
وكالة تقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي، المسؤولة عن التنظيم والتأطير وتتبع سلسلة الإنتاج، لم تصدر أي توضيح رسمي بشأن هذه الاختلالات. غياب مراقبة حقيقية لسير العقود التجارية، وترك الفلاحين لمصيرهم في مواجهة شركات تتحايل على الالتزامات، يطرح تساؤلات جدية حول مدى التزام الوكالة بتنزيل القانون في شقه الحمائي للفلاحين، وليس فقط في إصدار الرخص والتصريحات الإعلامية.
كما لم تظهر أي معطيات حول فتح أسواق تصديرية للمنتوج المغربي، في وقت تشتد فيه المنافسة الدولية من القنب الإيراني، الهندي، و”الماريخوانا” اللاتينية. الوضع يعكس غياب تخطيط اقتصادي حقيقي يُواكب الأهداف المعلنة لتقنين القنب الهندي لأغراض طبية وصناعية، كما يعكس افتقار المشروع إلى نموذج أعمال واضح المعالم.
أمام هذا الانفجار الاجتماعي، يبرز تقصير واضح لمدير وكالة تقنين القنب الهندي، الذي توارى عن الأنظار منذ بداية الأزمة، هذا الغياب، غير المبرر في سياق إداري حساس، يزيد من تعقيد الوضع ويطرح بجدية الحاجة إلى مساءلة المسؤول الأول على القطاع عن أسباب هذا التقاعس، خصوصاً وأن القانون يخول له صلاحيات التدخل الفوري لحماية الأمن الاجتماعي وضمان تنفيذ العقود القانونية تحت مظلة الدولة.
كما أن التهرب من التدخل، في ظل هذه المؤشرات الواضحة للفشل الإداري، يرقى إلى الإخلال بمبادئ ربط المسؤولية بالمحاسبة، التي ما فتئت وزارة الداخلية تؤكد أنها تترجمها بشكل صارم في مختلف ربوع المملكة.
الوضع بات يتطلب تدخلاً مركزياً عاجلاً لإعادة تقييم المشروع ككل، وضمان الإنصاف المالي والقانوني للفلاحين، وإيقاف مسلسل الاستغلال الذي تمارسه بعض الشركات على الأرض، بحماية غير معلنة .
ما يجري اليوم في إقليم تاونات، وبالأخص بدائرة غفساي، ليس تعثراً عارضاً في مشروع تنموي، بل حالة فشل ممنهج نتيجة سوء تدبير، وغياب الرؤية، وتراخي المسؤولين في أداء واجباتهم. وإذا لم يتم تدارك الوضع بمحاسبة المتورطين، وعلى رأسهم مسؤولي القطاع، وإعادة ترتيب الأولويات وفق منطق التنمية الحقيقية، فإن مشروع “الكيف المقنن” لن يكون إلا حلقة أخرى في سلسلة وعود لم تتحقق، وفاتورة اجتماعية سيدفعها الفلاح البسيط من قوته وكرامته.






