شوكي… صوت الواقعية داخل بيت الأغلبية: قراءة في خطاب يعرّي الاختلالات ويجدد الثقة بالحوار الوطني

في لحظة سياسية واجتماعية شديدة الحساسية، يتزامن فيها تصاعد الاحتجاجات الشبابية “لجيل زيد” في عدد من المدن المغربية مع ارتباك الخطاب الرسمي، برز صوت محمد شوكي، رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب، خلال لقاءه بمحطة إذاعية، ليقدّم مقاربة مختلفة تتسم بالهدوء، والوضوح، والواقعية. فالرجل، الذي لا يتقن لغة الخشب، تحدث بموضوعية نادرة في المشهد السياسي المغربي، مقدماً خطاباً يجمع بين الاعتراف بالاختلالات والدفاع العقلاني عن منجزات الحكومة، مع دعوة صريحة إلى استعادة الثقة بين الدولة والمجتمع، ولا سيما فئة الشباب.
أولاً: مقاربة الأزمة الشبابية — تفهّم لا إنكار
انطلق شوكي من مبدأ بسيط لكنه جوهري: أن ما يجري في الشارع هو “صوت شبابي حقيقي ومشروع”، لا يمكن تجاهله أو التقليل من شأنه. هذه الجملة وحدها كانت كافية لتقلب الموازين داخل المشهد السياسي، إذ نادراً ما يخرج قيادي من الحزب القائد للحكومة ليعترف علناً بشرعية الغضب الشعبي.
وفي المقابل، رفض شوكي أي تبرير للعنف أو التخريب، محدداً بدقة أن من يقف وراء هذه الأفعال “قلة من المخربين” لا يمثلون الشباب المغربي الواعي والمسؤول.
ثانياً: الحصيلة الحكومية بين الواقع والطموح — اعترافات مؤلمة وإنجازات ملموسة
في تناوله للحصيلة الحكومية، قدم شوكي توازناً دقيقاً بين الدفاع عن المنجزات والاعتراف بالاختلالات. فالرجل لم يتردد في القول إن هناك “فقداناً للثقة” بين الشباب والمؤسسات، لكنه شدد على أن هذا لا يعني غياب العمل أو النتائج.
ففي الجانب الاجتماعي، أكد أن الحكومة حققت تقدماً ملموساً في ورش الحماية الاجتماعية الذي استفاد منه 22 مليون مغربي، إضافة إلى الدعم المباشر الذي يشمل أكثر من 4 ملايين أسرة. كما أشار إلى الميزانيات الضخمة التي وُجهت إلى قطاعات التعليم والصحة (100 مليار و32 مليار درهم على التوالي)، مبرزاً أن هذه الأرقام غير مسبوقة في تاريخ الحكومات المغربية.
أما على المستوى الاقتصادي، فاستعرض شوكي مؤشرات إيجابية تتعلق بارتفاع معدل النمو إلى 4.8%، ورفع حجم الاستثمار العمومي إلى 350 مليار درهم، وتحسين التصنيف الائتماني للمغرب، مع الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية. وهي معطيات يرى أنها ثمرة سياسة مالية منضبطة، لكنها لا تكفي وحدها لامتصاص الإحباط الشعبي ما لم تترجم إلى أثر ملموس في حياة المواطنين.
ثالثاً: تشغيل الشباب — أزمة بنيوية لا ظرفية
في أكثر لحظاته صراحة، أقر شوكي بفشل الحكومة في الوفاء بوعد “مليون منصب شغل”، مبرراً ذلك بظروف استثنائية كالجفاف والتضخم والأزمات الجيوسياسية. لكنه تجاوز التبرير الظرفي نحو تحليل بنيوي أعمق حين قال إن الاقتصاد المغربي “ربما ما تيخلقش فرص الشغل بالزخم اللي بغيناه”، مشيراً إلى خلل في منظومة التكوين المهني والجامعي التي لا تستجيب لحاجيات سوق العمل.
هذا الاعتراف الصريح، النادر في الخطاب الرسمي، يحسب لشوكي، ويجعل من مداخلته مرجعاً لفهم طبيعة الأزمة الحقيقية التي تواجه الشباب المغربي، حيث الفجوة بين الطموح والواقع تزداد اتساعاً.
رابعاً: الحصيلة التشريعية — من الكم إلى النوع
لم يكتف شوكي بالشق الاقتصادي والاجتماعي، بل خصص جزءاً مهماً من مداخلته لتفصيل الحصيلة التشريعية لفريقه البرلماني، مؤكداً أن العمل داخل الأغلبية لم يكن مجرد تصويت آلي، بل كان مشاركة فعلية في تجويد النصوص والقوانين، خصوصاً تلك المتعلقة بميثاق الاستثمار، وإصلاحات الصحة والتعليم، والتشريعات المرتبطة بالحماية الاجتماعية.
كما أبرز الجهد الرقابي للفريق عبر الآلاف من الأسئلة والمبادرات البرلمانية، خاصة في ملفات حيوية كـالذكاء الاصطناعي، الذي اعتبره مجالاً استراتيجياً لمستقبل التشغيل والتنمية في المغرب.
خامساً: قانون المالية 2026 — بين الواقعية والاستمرارية
بخصوص التوجهات الكبرى لقانون المالية المقبل، شدد شوكي على ضرورة تحقيق التوازن بين استمرار الدولة الاجتماعية ومحاربة التفاوتات المجالية، مؤكداً أن “الدار البيضاء خصها تكون بحال زاكورة وبحال بولمان” في توزيع الإنفاق والاستثمار.
كما دعا إلى نبذ ما سماه بـ”الشيطنة السياسية”، منتقداً أطرافاً من المعارضة التي تلجأ إلى التشكيك بدل النقاش، ومؤكداً أن المرحلة المقبلة تتطلب توافقاً وطنياً حول السياسات الكبرى بدل الصراع الحزبي العقيم.
سادساً: قراءة تحليلية — حين يتحدث الواقعي وسط ضجيج المزايدات
ما يميز مداخلة محمد شوكي هو الجرأة في قول الحقيقة من داخل بيت الأغلبية. فهو لم يتحدث كمدافع أعمى عن الحكومة، بل كمشرّح واقعي للخلل، واعٍ بحدود الإنجاز، ومؤمن بأن الحوار هو السبيل الوحيد لتجاوز الأزمة الحالية.
ورغم أنه من الحزب الذي يقود الحكومة، فإن خطابه كان أقرب إلى النقد الذاتي منه إلى الدعاية السياسية، مما أكسبه احترام المتابعين واعتراف حتى بعض خصومه بموضوعيته.
شوكي… الوجه العقلاني لمرحلة التوتر
في زمن يتقاذفه التراشق الحزبي والتصريحات الاستفزازية، يبرز محمد شوكي كمحاور جيد وهادئ، يقرأ الواقع بعين ناقدة لا ناكرة، ويقدم نموذجاً في الخطاب السياسي الرصين القادر على الموازنة بين الولاء للمسؤولية والجرأة في النقد.
خرجة شوكي، سواء اتفق معه البعض أو اختلف، تبقى لحظة فارقة في مسار التواصل السياسي المغربي، لأنها لا تكتفي بتفسير ما يجري، بل تسهم في فهمه، وتفتح أفقاً جديداً لحوار وطني صادق بين الجيل المحتج والدولة التي تحتاج إلى تجديد الثقة معه.
وفي ختام المشهد، يبدو أن محمد شوكي بخرجته الإعلامية الأخيرة كسب رهان المصداقية والثقة داخل المشهد السياسي المغربي، بعدما قدّم خطابًا متزنًا وعقلانيًا في لحظة احتقان نادرة. فبينما اختار بعض وزراء وقيادات حزب الأحرار صبّ الزيت على النار بتصريحات استفزازية للرأي العام، مثل خرجة الوزير الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى بايتاس التي لم تكن موفقة، وتصريحات رئيس الشبيبة لحسن السعدي، وخرجات برلمانية وُصفت بالـ”متهورة”، جاء حديث شوكي ليعيد للحزب شيئًا من التوازن والرصانة المفقودة.
لقد آن الأوان — كما يرى كثيرون — أن يُحسن حزب الأحرار اختيار من يتحدث باسمه، فليس كل من يتقلد منصبًا مؤهلًا لقراءة نبض الشارع، ولا كل من يملك سلطة يملك حكمة استعمالها. داخل الحزب اليوم من يحارب الكفاءات ويُقصي الأصوات العاقلة، مفضلًا عليهم جوقة من المتزلفين والمطبلين الذين يزينون الفشل بدل أن يصححوه.
ويكفي الحزب أن يتأمل في تجربة محمد شوكي، الذي خرج من رحم النضال والعمل الميداني، ولم يهبط من السماء لتولي المسؤولية، ليعرف أن المصداقية لا تُمنح بالمنصب، بل تُكتسب بالموقف، وأن السياسة في زمن الأزمات تحتاج إلى عقول راجحة لا إلى حناجر صاخبة.






