برلمانيون بين مصالحهم الخاصة وإفساد المرافق العمومية: هل أصبحت الحكومة عاجزة أمام لوبيات المناولة؟

في ظل الحديث المتكرر عن محاربة الفساد وتحسين الحكامة في المؤسسات العمومية، تبرز ظاهرة جديدة تنذر بانهيار مبادئ الشفافية والنزاهة داخل النظام السياسي والإداري للدولة. برلمانيون كثيرون، بدلاً من أن يكونوا ممثلين حقيقيين للشعب ومراقبين موضوعيين للأداء الحكومي، بات همهم الأول والأخير هو الترافع على ملفات وقضايا بعينها، لا بهدف خدمة الصالح العام، بل بغرض تحقيق مكاسب شخصية وتجارية.
المفارقة الخطيرة تكمن في أن هؤلاء البرلمانيين لا يكتفون بالتأثير على السياسات التشريعية فحسب، بل يمتد نفوذهم إلى المحيط الوزاري عبر تسخير أحزابهم وتشكيل شبكات وسيطة للحصول على صفقات عمومية في المرافق الحيوية. خصوصاً في ظل التحول المتزايد نحو تفويض تدبير قطاعات كاملة للمؤسسات الخاصة عبر نظام المناولة، حيث يجد هؤلاء البرلمانيون أرضية خصبة لاستثمار علاقاتهم السياسية في تعزيز شركاتهم الخاصة أو تلك المرتبطة بهم بشكل مباشر.
هذه الممارسات تثير تساؤلات جادة حول مدى نجاعة الجهات المسؤولة في مواجهة هذا اللوبي البرلماني المتحكم في صفقات المناولة، خاصة حين يتبين أن من يمتلكون شركات في نفس القطاعات يشكلون تضارباً واضحاً في المصالح، وقد يقود ذلك إلى فساد مستشري يضرب في الصميم المرافق العمومية التي يجب أن تكون خدمة للجميع وليست فرصة للاستثمار الشخصي.
كيف يمكن للدولة أن تضمن نزاهة اختيار المتعاملين مع المرافق العمومية إذا كانت الأذرع السياسية للبرلمانيين تغلغلت داخل الوزارة نفسها؟ هل من أمل في قوانين صارمة تحرم هؤلاء النواب من تسخير سلطاتهم الحزبية والوزارية لتوجيه الصفقات؟ أم أننا أمام واقع مؤلم يستوجب إعادة النظر الجذرية في علاقة البرلمانيين بالاقتصاد الوطني وإعادة بناء آليات الرقابة والمساءلة؟
إن المراقبة الصارمة، وتعزيز شفافية الصفقات العمومية، ومنع تضارب المصالح بشكل فعلي، لا أن تكون شعارات على الورق، هي الطريق الوحيد للحيلولة دون أن تتحول المؤسسات المنتخبة إلى أداة لتحقيق مكاسب خاصة على حساب الوطن والمواطن.
في النهاية، تبقى الحقيقة واحدة: لا يمكن للديمقراطية أن تزدهر ولا لمؤسسات الدولة أن تتطور، ما لم نقطع مع هذه الظواهر الخطيرة التي تعصف بأركانها، فتسخير النفوذ البرلماني في صفقات المناولة هو فساد ممنهج يحتاج إلى وقفة صارمة من كل فاعل جاد في الساحة السياسية والمجتمعية.






