سياسة

بخور المعارض تتناثر في طقوس غريبة : رائحة “الغرابة” في سماء مجلس فاس-مكناس!

في مشهد عبثي يزداد غرابة مع كل شروق شمس، يستمر مجلس جهة فاس-مكناس في مسلسل تفريخ المعارض، التي تحولت إلى مجرد واجهات لا قيمة لها، تستنزف المال العام وتطلق روائح البخور الغريبة التي تخنق آمال التنمية الحقيقية. لم يعد الأمر يقتصر على مجرد افتتاح باهت، بل أصبحنا أمام سيمفونية نشاز من طقوس البخور والمعارض المتكررة، التي لا تحقق سوى جيوباً منتفخة ووعوداً فارغة، في مغرب يلهث وراء الذكاء الاصطناعي والعولمة.

لقد أصبح البخور بطل كل افتتاح، يتقدم رئيس المجلس ليقص شريطاً أحمر غالباً ما يكون بلا معنى، بينما تتصاعد أدخنة “التبريك” لطرد الشياطين و إستمالة المسؤولين الكبار  من المبخرة الذهبية الفاخرة التي تُحمل بعناية، وكأننا في طقس شعائري قديم لا افتتاح لحدث اقتصادي واجتماعي! الصورة المرفقة خير دليل على هذا المشهد السريالي: أدخنة البخور تتناثر بكثافة في الهواء، لتُضفي على المكان هالة من “الغرابة” والتساؤلات. هل هذه الروائح موجهة لـ”ترطيب” الأجواء أمام الوالي الجديد الصبار و الذي تقدم حول قص الشريط حتى تقدمت اكثر اليه أكثر حاملة المبخرة الذهبية وهي تلبس قفطان اخضر و بيدها تسبيح غريب (أنظر الصورة)، حتى يمرر المزيد من المعارض والصفقات ؟ أم أنها مجرد محاولة يائسة لتغطية عجز المجلس عن تحقيق أي إنجاز يذكر، عبر تخدير الأجواء بروائح و كأن واقع الحال يتحدث عن طقوس ضريح المولاي الإدريس،و ذلك حتى تصرف الخيبة التي يعرفها الجميع عن  الأنظار ؟ إن هذه السابقة الغريبة في زمن الذكاء الاصطناعي والعولمة تثير الشكوك حول مدى عقلانية القرارات المتخذة داخل هذا المجلس.

لم يعد هناك مبرر لكثرة هذه المعارض التي باتت تنهك ميزانية الجهة. فمعرض تلو الآخر، تُصرف الأموال الطائلة على فعاليات لا تخدم إلا مصالح ضيقة. تدعي هذه المعارض أنها تهدف إلى دعم التعاونيات وتثمين المنتوج المحلي، لكن الواقع يؤكد عكس ذلك. فما هي النتائج الملموسة التي حققتها “الدورة الأولى” مثلاً، لتعقبها “الدورة الثانية” وربما ثالثة ورابعة بنفس السيناريو البائس؟ أين الابتكار؟ أين الدعم الحقيقي للنساء المنخرطات في العمل التعاوني؟ أم أن هذه المعارض أصبحت مجرد وسيلة لاصطياد العارضين والعارضات لأغراض ربما هي “أبعد ما تكون” عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة؟ و الزج بهم نحو الموالاة السياسية و لما لا الحزبية لتحقيق أغراض إنتخابية صرفة.

والأدهى من ذلك كله، يبدو أن رئيس المجلس قد أسلم “ملف المعارض” بكل تفاصيله لمن يبدو أنها “المكلفة بتنظيمها”، حتى بات لا يرفض لها أي طلب! ففي ظرف أربع سنوات تقريباً، شهدت الجهة تنظيم عدد غير قليل من المعارض، التي حصدت الخيبة تلو الخيبة في النتائج المرجوة. ليس هذا فحسب، بل إن “الحظوة” في قبول الأنشطة والمشاريع أصبحت حكراً على المكتب ذاته، بينما يعاني ممثلو الأقاليم من تهميش واضح. فهل بات رئيس المجلس يدير مكتبه تحت طائلة “التخدير” بالبخور المتناثرة، حيث تتلاشى الرؤية الواضحة وتُغيب الأولويات الحقيقية للجهة؟ أم أن هذه الروائح الغريبة أصبحت جزءاً من استراتيجية “تلطيف الأجواء” الداخلية، لضمان تمرير الأجندات الخاصة دون نقاش أو معارضة؟ إن هذا التساؤل الجوهري يطرح نفسه بقوة، في ظل غياب النتائج و رفع المعاناة على ساكنة الجهة التي تعاني من البحث عن قطرة ماء لروي ظمأ العطش الذي يضرب البادية.

لكن الطامة الكبرى تكمن في الشركة الغامضة التي بات اسمها يتردد أكثر من اسم الجهة نفسها. هذه الشركة التي تحتكر تنظيم هذه المعارض، من الألف إلى الياء، تحولت إلى كيان “أقوى” من المؤسسة العمومية نفسها! من فوض لهذه الشركة هذا النفوذ المطلق؟ وما هي المعايير التي يتم بناء عليها تفويت هذه الصفقات؟ هل تحولت مؤسسة عمومية من المفترض أن تدير المال العام بشفافية، إلى مجرد “منظم احتفالات” لهذه الشركة، حيث تُضخ الأموال إلى جيوبها تحت غطاء “تنظيم الفعاليات” التي تزداد غرابتها مع كل افتتاح؟ هذا الواقع يطرح أسئلة ملحة حول غياب الحكامة والشفافية، ويجعلنا نشكك في كل عملية تنظيم تخرج عن نطاق المؤسسات العمومية بشكل مباشر.

إن ما يحدث في مجلس جهة فاس-مكناس، من إفراط في تنظيم المعارض الباهتة وتواجد لروائح البخور الغريبة، ليس سوى انعكاس لواقع مؤسساتي يائس، يتخبط في التسيير الذي يمكن وصفه بـ”العبثي”، ويستهلك المال العام دون رقيب أو حسيب. حان الوقت لوقف هذه “المهزلة”، فمستقبل الجهة وساكنتها أهم بكثير من أدخنة البخور الكثيفة والوعود الوهمية!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى