ثقافة

ألمانيا ضيف شرف الدورة الـ29 لمهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة.. احتفاء بـ70 سنة من الصداقة المغربية الألمانية عبر لغة الفن والحوار الروحي

ينتظر أن تنطلق يوم الخميس المقبل (4 يونيو 2026)، فاس فعاليات الدورة التاسعة والعشرين من مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة، و ذلك من خلال حفل الإفتتاح الذي ستترأسه الأميرة لالاخديجة، أحد أبرز التظاهرات الثقافية والروحية على الصعيدين الوطني والدولي، في دورة تحمل أبعاداً حضارية ودبلوماسية خاصة، بعدما اختارت مؤسسة “روح فاس” جمهورية ألمانيا الفيدرالية ضيف شرف لهذه السنة، تزامناً مع الاحتفال بمرور سبعين سنة على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين المملكة المغربية وألمانيا، والتي تعود إلى سنة 1956، مباشرة بعد استقلال المغرب.

ويأتي هذا الاختيار ليعكس عمق العلاقات التاريخية التي تجمع البلدين، ويؤكد المكانة التي أصبحت تحتلها الثقافة كجسر للتقارب بين الشعوب، وكأداة لتعزيز قيم الحوار والتفاهم والانفتاح في عالم يشهد تحولات متسارعة وتحديات متزايدة.

وتتميز الدورة التاسعة والعشرون للمهرجان، المنظمة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، ببرنامج فني وفكري غني يستقطب فنانين ومبدعين وباحثين من مختلف القارات، في تجسيد حي للرسالة التي حملها مهرجان فاس منذ تأسيسه سنة 1994، والمتمثلة في جعل المدينة فضاء عالمياً للحوار بين الثقافات والأديان والحضارات.

شراكة ثقافية تعكس متانة العلاقات الثنائية

وفي هذا السياق، أعلنت مؤسسة “روح فاس” عن تنظيم سهرة فنية استثنائية يوم الجمعة 5 يونيو 2026 بفضاء باب الماكينة التاريخي، بشراكة مع السفارة الألمانية بالرباط ومعهد غوثه بالمغرب، احتفاءً بالذكرى السبعين للعلاقات المغربية الألمانية.

ويعكس هذا التعاون الثقافي النموذجي مستوى الثقة والتقارب الذي يميز العلاقات بين الرباط وبرلين، حيث تحولت الثقافة خلال العقود الماضية إلى أحد أهم روافد التعاون الثنائي، إلى جانب الشراكات الاقتصادية والبيئية والأكاديمية والتنموية.

وأكد عبد الرفيع زويتن، رئيس مؤسسة “روح فاس”، أن الاحتفاء بهذه المناسبة داخل مهرجان فاس يحمل دلالات رمزية قوية، باعتبار الثقافة لغة عالمية قادرة على توحيد الشعوب وتقريب الرؤى، مشيراً إلى أن اختيار ألمانيا ضيف شرف للدورة الحالية يأتي تقديراً لمكانتها الفكرية والفنية ولإسهاماتها الكبرى في التراث الإنساني.

ألمانيا.. إرث موسيقي وفلسفي عالمي

ولم يكن اختيار ألمانيا اعتباطياً، فهذه الدولة تعد من أبرز الحواضن التاريخية للموسيقى الكلاسيكية والفكر الإنساني الحديث، حيث أنجبت أسماء خالدة من قبيل يوهان سيباستيان باخ، وبيتهوفن، وموزارت، كما ارتبط اسمها بفلاسفة ومفكرين كبار تركوا بصمتهم على الفكر العالمي.

وتلتقي هذه الخلفية الثقافية العريقة مع الروح الخاصة التي تتميز بها مدينة فاس، باعتبارها إحدى أقدم الحواضر العلمية والروحية في العالم الإسلامي، ومدينة حافظت عبر قرون على دورها كمركز للإشعاع الحضاري والتسامح الديني والتبادل الثقافي.

ويشكل هذا التقاطع بين الإرث الألماني والهوية الروحية لفاس أرضية مثالية لحوار ثقافي متجدد، ينسجم مع فلسفة المهرجان القائمة على الجمع بين الأصالة والتجديد، وبين التراث والحداثة.

أصوات نسائية من الشرق والغرب في سهرة استثنائية

وسيكون جمهور باب الماكينة على موعد مع سهرة فنية فريدة تجمع أصواتاً نسائية من مشارب ثقافية وروحية متعددة، في عرض يحتفي بغنى التعبيرات الموسيقية النسائية بين الشرق والغرب.

ومن أبرز المشاركات الفنانة اللبنانية غادة شبير، المعروفة بأدائها المتميز للتراث المشرقي والتراتيل الروحية المستمدة من الموروث السرياني والأرمني، في تجربة موسيقية تنقل الجمهور إلى فضاءات التأمل والسلام الداخلي.

كما تحضر الفنانة المغربية نبيلة معان، التي ستقدم مقطوعات مستلهمة من التراث الأندلسي المشترك، في مزج فني يجمع بين العربية والعبرية، ويستحضر الذاكرة الحضارية للأندلس باعتبارها نموذجاً للتعايش والتلاقح الثقافي.

وتسجل الفنانة الهندية العالمية كاوشيكي شاكرابارتي أول مشاركة لها بالمهرجان، حيث ستقدم نماذج من موسيقى “الخيال” الهندية التقليدية، المعروفة بغناها المقامي وقدرتها الفريدة على الانتقال بين الإيقاعات والنغمات في أداء يختزل قروناً من التراث الموسيقي الهندي.

“Bodies”.. الوجه الألماني للإبداع المعاصر

أما الحضور الألماني في هذه الأمسية فسيكون من خلال مشروع “Bodies” بقيادة الفنانة والمنتجة والمغنية كاتي فرانكي المقيمة ببرلين، والتي طورت تجربة موسيقية مبتكرة تقوم على تعدد الأصوات النسائية وتوظيف الجسد كوسيلة للتعبير الفني.

ويضم المشروع ثماني مؤديات يشتغلن على إعادة تشكيل النسيج الصوتي الجماعي في توليفة تجمع بين الموسيقى المعاصرة والبوب والتجارب الكلاسيكية الجديدة، ما يجعل العرض واحداً من أبرز المحطات الفنية المنتظرة خلال هذه الدورة.

وستتوج السهرة بلقاء موسيقي استثنائي بين مجموعة “Bodies” الألمانية ومجموعة “أحواش إسافن” القادمة من الأطلس الكبير، في حوار فني عابر للحدود يجمع بين الإيقاعات المغربية الأصيلة والتجارب الموسيقية الأوروبية الحديثة.

مهرجان فاس.. قوة ناعمة للمغرب على الساحة الدولية

على امتداد ما يقارب ثلاثة عقود، استطاع مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة أن يرسخ مكانته كأحد أهم المواعيد الثقافية الدولية، وأن يحول العاصمة العلمية للمملكة إلى منصة عالمية للحوار بين الحضارات.

فالمهرجان لم يعد مجرد تظاهرة فنية، بل أصبح مشروعاً حضارياً وثقافياً يجسد صورة المغرب كأرض للتعايش والانفتاح، ويعزز مكانة فاس كعاصمة للروحانية والثقافة والمعرفة.

وفي دورة 2026، يبعث المهرجان برسالة جديدة مفادها أن الثقافة تظل أحد أقوى الجسور القادرة على توطيد العلاقات بين الدول والشعوب، وأن الموسيقى، بلغتها الكونية، قادرة على تجاوز الحدود الجغرافية والسياسية وصناعة فضاءات مشتركة للتفاهم والسلام.

وبين فاس وبرلين، وبين التراث المغربي العريق والإبداع الألماني المعاصر، تكتب الدورة التاسعة والعشرون من مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة فصلاً جديداً من فصول الدبلوماسية الثقافية، عنوانه الصداقة المتجددة والحوار الإنساني المفتوح على المستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى