أوروبا على صفيح اجتماعي ساخن.. هل يدفع الإفراط في المقاربة الأمنية إلى توسيع دائرة المواجهات؟

لم تعد شوارع عدد من العواصم والمدن الأوروبية مجرد فضاءات لاحتضان المسيرات النقابية والوقفات الاحتجاجية، بل تحولت خلال الأسابيع الأخيرة إلى واجهة لاختبار صعب تواجهه الحكومات وأجهزة الأمن، في ظل اتساع الغضب الاجتماعي وارتفاع تكاليف المعيشة وتفاقم أزمة السكن والقلق بشأن الخدمات العمومية والتعليم والمعاشات. ويوم السبت 24 أكتوبر 2026، عادت المواجهات إلى الواجهة في فرنسا وإيطاليا وبلجيكا، بالتزامن مع استمرار الحركات الاحتجاجية في إسبانيا، فيما بدأت ألمانيا تستعد لتحركات شبابية واسعة مرتقبة يوم 31 أكتوبر الجاري. وتطرح هذه التطورات سؤالاً يتجاوز تدبير يوم احتجاجي أو احتواء اضطرابات عابرة: هل تستطيع المقاربة الأمنية وحدها إخماد غضب اجتماعي تتغذى أسبابه من الأوضاع الاقتصادية والسياسات العمومية، أم أن التشدد الميداني قد يجعل الأزمة أكثر تعقيداً ويطيل عمرها؟
في فرنسا، كانت التطورات الأكثر حدة، بعدما خرج مئات الآلاف للاحتجاج على غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية والتفاوتات الاجتماعية ومشكلات التعليم والخدمات العامة. وقدرت وزارة الداخلية عدد المشاركين بنحو 410 آلاف شخص في مختلف أنحاء البلاد، بينما رفعت النقابات العدد إلى أكثر من 800 ألف. ورغم أن عدداً من المسيرات مر في أجواء سلمية، فإن نهاية التحركات شهدت مواجهات في باريس ومرسيليا ومدن أخرى، تخللتها عمليات تخريب واعتداءات على ممتلكات، وردت قوات الأمن باستخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه وقنابل التفريق. كما أعلنت السلطات تعبئة نحو 70 ألف شرطي ودركي في إطار إجراءات استباقية لتفادي تكرار الاضطرابات التي شهدتها البلاد خلال الأسبوع السابق.
لكن حجم الانتشار الأمني لم يمنع تجدد المواجهات، وهو ما يفتح النقاش حول حدود فعالية الانتشار الكثيف حين يتحول الشارع إلى فضاء للتوتر المتبادل. وقد أثار فرض قيود على بعض المسيرات وتغيير مساراتها اعتراضات من أطراف نقابية وسياسية، بينما دافعت السلطات عن إجراءاتها باعتبارها ضرورية لحماية الأشخاص والممتلكات ومنع أعمال التخريب. وبين الموقفين، تظل المسألة الأساسية مرتبطة بمدى قدرة السلطات على التمييز بين الغالبية التي تريد التعبير عن مطالبها الاجتماعية وبين المجموعات التي تلجأ إلى العنف، دون دفع المحتجين السلميين إلى الشعور بأنهم مستهدفون لمجرد وجودهم في الشارع.
إن الخطأ الذي ينبغي تفاديه في مثل هذه الحالات هو اختزال الاحتجاج في الجانب الأمني وحده، والتعامل مع كل تجمع باعتباره تهديداً محتملاً يستوجب الحصار أو التفريق. فالمسيرة السلمية ليست اضطراباً في حد ذاتها، ووجود آلاف الأشخاص في الشارع لا يعني بالضرورة أن النظام العام مهدد. وعندما تتسع القيود على التجمعات أو تصبح المواجهة المباشرة هي الصورة الأكثر حضوراً في المشهد، فإن السلطات تخاطر بتوسيع الفجوة بينها وبين المحتجين، حتى وإن كانت لديها مبررات أمنية فعلية للتدخل في حالات محددة.
وفي إيطاليا، شهدت مدن عدة، من بينها روما وتورينو وبولونيا، احتجاجات على ارتفاع تكاليف المعيشة والحرب والسياسات الحكومية، تخللتها مواجهات بين بعض المحتجين والشرطة. وفي المقابل، مرت التحركات في ميلانو في معظمها بصورة سلمية، وفق المعطيات المنشورة عن أحداث السبت. وكانت السلطات قد عززت حضورها الأمني بعد الاضطرابات التي شهدتها البلاد خلال الأسبوع السابق، حين سجلت مواجهات وأعمال نهب وتخريب. ويكشف اختلاف مسار الاحتجاجات بين مدينة وأخرى أن الانتشار الأمني المكثف لا ينتج النتيجة نفسها في جميع الحالات، وأن طبيعة التدخل وطريقة التواصل مع المحتجين والظروف المحلية تظل عوامل مؤثرة في مسار الأحداث.
أما في بلجيكا، فقد شهدت بروكسل مواجهات بين الشرطة ومئات المحتجين، غالبيتهم من الشباب، الذين طالبوا بتحسين ظروف التعليم وزيادة التمويل المخصص له، في سياق تحركات متواصلة خلال الأشهر الماضية. واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع ورذاذ الفلفل، فيما تحدثت تقارير ميدانية عن مطاردات واعتداءات على أحد المحتجين خلال المواجهات. وفي المقابل، أقدم بعض المشاركين على رمي أشياء ومحاولة إحراق دراجات كهربائية، وهي ممارسات لا يمكن تبريرها باعتبارها شكلاً من أشكال التعبير السلمي. وأعلنت شرطة بروكسل أنها اتخذت تدابير لضمان النظام العام وسلامة الجميع، فيما ظلت المواجهات أقل حجماً وحدّة من تلك التي عرفتها البلاد في الأسبوع السابق.
وتقدم الحالة البلجيكية مثالاً إضافياً على ضرورة الفصل بين حق الاحتجاج وبين أعمال العنف التي قد تقع على هامشه. فالمطالبة بتمويل أفضل للتعليم أو تحسين ظروف الدراسة لا تمنح أي شخص الحق في الاعتداء على الآخرين أو إتلاف ممتلكاتهم، لكنها في الوقت نفسه لا تبرر التعامل مع جميع المشاركين باعتبارهم مسؤولين عن سلوك مجموعات محدودة. ومن هنا، تصبح مسؤولية الأجهزة الأمنية مزدوجة: حماية المحتجين أنفسهم من الاعتداء، وحماية المواطنين والممتلكات، مع ضمان أن يكون التدخل متناسباً مع الخطر الفعلي وموجهاً إلى مرتكبيه، لا إلى التجمع بأكمله.
وفي إسبانيا، اتخذ الغضب الاجتماعي مسارات مختلفة، إذ شهدت مدريد تحركات شارك فيها آلاف المتظاهرين للمطالبة بمعاشات تضمن مستوى معيشياً كريماً، وربط الزيادات بمعدلات التضخم، والحد من الفجوة بين معاشات النساء والرجال، وحماية منظومة التقاعد العمومية. وإلى جانب ذلك، استمرت حركة الاحتجاج على أزمة السكن وارتفاع الإيجارات، مع بقاء مخيمات احتجاجية في ساحة بويرتا ديل سول بالعاصمة منذ أواخر شتنبر. وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة لأنها تعكس غضباً اجتماعياً متواصلاً حول القدرة على تحمل تكاليف السكن والمعيشة، من دون أن تتحول جميعها إلى مواجهات عنيفة مع قوات الأمن.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: فليس كل احتجاج يتوسع بالضرورة نحو العنف، كما أن الاحتجاجات التي تستمر أياماً أو أسابيع لا تعني تلقائياً انهيار النظام العام. ففي بعض الحالات، يمكن السماح باستمرار تجمع سلمي مضبوط، مع تدبير حركة السير وحماية المرافق وضمان وصول الخدمات الأساسية، أن يكون أقل كلفة على المجتمع من الدخول في مواجهات متكررة. أما تحويل كل ساحة إلى منطقة محاصرة، والتعامل مع استمرار الاعتصام بوصفه تحدياً يجب إنهاؤه بالقوة، فقد ينقل الخلاف من المطالب الأصلية إلى صراع حول الحق في الاحتجاج نفسه.
وبالنسبة إلى ألمانيا، لم تظهر في المعطيات المتاحة حصيلة مماثلة لموجة المواجهات التي شهدتها فرنسا وإيطاليا وبلجيكا يوم السبت 24 أكتوبر، غير أن البلاد تستعد لتحركات شبابية مرتقبة في 21 مدينة يوم 31 أكتوبر، وفق ما نشرته تقارير إعلامية. وتتمحور الدعوات حول أوضاع المدارس والتقشف وغلاء المعيشة والعدالة الاجتماعية والتجنيد الإجباري والتغير المناخي. وتكتسي هذه التعبئة المرتقبة أهمية لأنها تأتي في مناخ أوروبي يتابع بقلق ما جرى في الدول المجاورة، فيما تؤكد الجهات المنظمة رفضها للعنف، وتعلن الشرطة الألمانية أنها تريد حماية حق التجمع والتعبير، مع التحذير من أعمال الشغب المحتملة.
وبذلك، لا يمكن الحديث عن مشهد أوروبي موحد بالمعنى الحرفي، لأن طبيعة الاحتجاجات وحجمها ودرجة العنف المصاحب لها تختلف من بلد إلى آخر. لكن القاسم المشترك يتمثل في تصاعد الضغوط الاجتماعية، واتساع مطالب الفئات الشابة والعمال والمتقاعدين، وتزايد القلق من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة على الحصول على السكن والخدمات الأساسية. كما تكشف الأحداث عن صعوبة معالجة هذه المطالب بمجرد تعزيز الانتشار الأمني، خصوصاً حين لا ترافق الإجراءات الميدانية استجابة سياسية واجتماعية واضحة.
المقاربة الأمنية ليست استعراضاً للقوة
إن ما ينبغي أن تستخلصه الحكومات الأوروبية من أحداث السبت ليس أن الأمن يجب أن يتراجع عن أداء واجبه، بل أن عليه مراجعة كيفية أداء هذا الواجب. فالمقاربة الأمنية الناجعة لا تقاس بعدد العربات المنتشرة في الشوارع، ولا بعدد الاعتقالات، ولا بمدى سرعة تفريق الحشود، وإنما بقدرتها على حماية الأرواح والممتلكات، وضمان حق التظاهر السلمي، ومنع تحول الخلاف الاجتماعي إلى مواجهات مفتوحة، والخروج من اليوم الاحتجاجي بأقل الخسائر الممكنة.
ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحة إلى الانتقال من منطق السيطرة الميدانية المباشرة إلى تدبير أكثر مرونة واحترافية، يقوم على التفاوض المسبق مع المنظمين، وتحديد مسارات واضحة للمسيرات، وتأمينها دون تطويقها بصورة استفزازية، وضمان وجود قنوات اتصال فعالة بين المسؤولين الأمنيين وممثلي المحتجين. كما ينبغي اعتماد مبدأ التدرج في التدخل، بحيث يكون استخدام القوة آخر الخيارات، ولا يجري اللجوء إليه إلا عند الضرورة، وبما يتناسب مع طبيعة الخطر.
ومن بين الخيارات التي تستحق النقاش، اعتماد مراقبة ميدانية منضبطة وغير استفزازية، مع إبقاء وحدات التدخل السريع في مواقع قريبة من محيط الاحتجاجات، ولكن خارج المسارات المباشرة للمسيرات ما دامت الأوضاع سلمية ولا يوجد خطر وشيك. ويمكن الاستعانة بوسائل الرصد المناسبة، وفق القانون، لتقدير الوضع وتحديد أي تصعيد محتمل، مع الحفاظ على مسافة ميدانية تقلل الاحتكاك بين العناصر الأمنية والمشاركين. أما عند وقوع اعتداءات خطيرة، فينبغي أن تكون فرق التدخل مستعدة للتحرك السريع والدقيق، مع تجنب العقاب الجماعي أو تفريق الحشود السلمية بسبب تصرفات أفراد أو مجموعات محدودة.
ولا يعني هذا التصور ترك الشوارع دون حماية، أو التساهل مع التخريب والاعتداء، وإنما يعني أن تكون القوة حاضرة بوصفها ضمانة أخيرة لاستعادة النظام عند الضرورة، لا بوصفها العنصر الأكثر ظهوراً منذ اللحظة الأولى. فوجود قوات مكافحة الشغب في مواجهة مباشرة مع آلاف المحتجين قد يرفع منسوب التوتر، خصوصاً حين تنتشر مشاعر الغضب أو الخوف، بينما يمنح التدبير الهادئ والاتصال المستمر فرصة أكبر لاحتواء الحوادث قبل تحولها إلى مواجهات واسعة.
والأكثر أهمية أن تكون هناك مراجعة مستقلة وموضوعية لكل احتجاج يشهد إصابات أو توقيفات واسعة أو استعمالاً مكثفاً للقوة، من أجل تحديد المسؤوليات واستخلاص الدروس. فكما ينبغي محاسبة من يعتدي على الأشخاص أو يخرب الممتلكات، ينبغي أيضاً التحقق من مدى احترام التدخلات الأمنية للقانون والتناسب والضرورة. ولا يمكن بناء الثقة بين المجتمع والمؤسسات على أساس مطالبة طرف واحد بالانضباط، بينما تظل أفعال الطرف الآخر بمنأى عن التقييم والمساءلة.
ماذا يمكن أن تتعلم أوروبا من التجربة المغربية؟
في المغرب، تبرز أهمية تجربة تدبير الاحتجاجات الطلابية في المدن الجامعية، وفي مقدمتها فاس، التي تعرف تحركات طلابية متكررة واحتجاجات مرتبطة بظروف الدراسة والسكن الجامعي والنقل والخدمات. وتوفر هذه البيئة مجالاً للتأمل في أهمية التمييز بين الاحتجاج السلمي وبين أعمال العنف، وفي ضرورة تجنب تحويل الخلافات الطلابية والاجتماعية إلى مواجهات مفتوحة تستنزف المؤسسات والطلبة والمجتمع المحلي.
ولا يتعلق الأمر بتقديم تجربة أي بلد باعتبارها نموذجاً كاملاً أو الادعاء بأن جميع التدخلات الأمنية كانت ناجحة، بل باستحضار مبدأ أساسي مفاده أن تدبير الاحتجاجات المتكررة يحتاج إلى تراكم الخبرة، والتواصل مع الفاعلين، وضبط النفس، والاستعداد الميداني دون استعراض للقوة، إلى جانب معالجة المطالب التي تدفع الناس إلى الخروج إلى الشارع. كما أن أي حديث عن اعتماد استراتيجية مغربية محددة أو نقلها إلى أوروبا يظل محتاجاً إلى توثيق رسمي ومقارنة دقيقة للممارسات والنتائج.
إن الدرس الذي يمكن أن تستفيد منه الأجهزة الأمنية الأوروبية، وكذلك الأجهزة الأمنية في مختلف الدول، هو أن النجاح لا يكمن في إسكات الشارع، وإنما في منع الاحتجاج من التحول إلى أزمة أوسع. فحين يخرج المواطن للاحتجاج بسبب السكن أو الأجور أو التعليم أو المعاشات، لا تستطيع المقاربة الأمنية وحدها أن تقدم جواباً عن هذه المطالب. وقد تتمكن القوة من تفريق تجمع في لحظة معينة، لكنها لا تلغي الأسباب الاجتماعية التي أعادته إلى الشارع، بل قد تضيف إليها شعوراً بالظلم أو الإقصاء إذا جرى التعامل مع المحتجين دون تمييز أو تناسب.
القوة التي تمنع الانفجار ليست بالضرورة القوة الأكثر حضوراً
إن أوروبا تقف اليوم أمام اختبار يتطلب شجاعة سياسية ومهنية: شجاعة الاعتراف بأن الأمن، مهما بلغت جاهزيته، لا يستطيع بمفرده معالجة اختلالات اجتماعية واقتصادية متراكمة، ومهنية تسمح بإعادة تقييم أساليب التدخل دون التفريط في حماية المواطنين والممتلكات. فحين تتكرر الاحتجاجات، لا ينبغي أن يكون الرد الآلي هو مضاعفة أعداد القوات وإغلاق الشوارع وتوسيع دائرة التوقيفات، بل فهم أسباب الغضب، وتحديد الجهات القادرة على التفاوض، وفتح مسارات عملية للاستجابة للمطالب المشروعة.
كما أن السماح للمسيرات السلمية بالمرور، وتجنب الاحتكاك غير الضروري، وإبقاء وحدات التدخل في وضع الاستعداد بعيداً عن الاحتكاك المباشر ما دامت الظروف تسمح بذلك، ليست مظاهر ضعف أمني، بل خيارات تدبيرية يمكن أن تقلل احتمالات التصعيد وتحمي حق الاحتجاج في الوقت نفسه. وفي المقابل، فإن الاعتداء على الأشخاص أو إحراق الممتلكات أو مهاجمة قوات الأمن لا يمكن أن يتحول إلى سلوك مقبول تحت غطاء الغضب الاجتماعي، بل يجب التعامل معه في إطار القانون وبصورة دقيقة ومتناسبة.
والخلاصة أن ما جرى في فرنسا وإيطاليا وبلجيكا، وما يتواصل في إسبانيا، وما تستعد له ألمانيا، يفرض إعادة طرح سؤال جوهري حول العلاقة بين الأمن والاحتجاج في الديمقراطيات الأوروبية. فالمواجهة قد تنهي تجمعاً، لكنها لا تنهي بالضرورة الغضب الذي أطلقه، والتدخل غير المتناسب قد يحول احتجاجاً محدوداً إلى أزمة ممتدة. أما المقاربة الأكثر حكمة فهي التي تحمي الحق في التعبير، وتمنع التخريب، وتخفض الاحتكاك، وتبقي القوة مستعدة دون أن تجعلها في صدارة المشهد، وتدفع الحكومات في الوقت نفسه إلى معالجة جذور الأزمة الاجتماعية.
فالدولة القوية ليست تلك التي تستطيع إخلاء الشوارع في أسرع وقت، وإنما تلك التي تستطيع حماية الناس، واحتواء الغضب، وضمان استمرار الحياة العامة، من دون أن تجعل كل احتجاج معركة جديدة بينها وبين مواطنيها.






