سياسة

وزير الصحة الجديد يبدأ بالفرنسية ويؤجل امتحان المستشفى العمومي؟ يونس بجيجو أمام أول مساءلة دستورية وشعبية

منذ اللحظة الأولى لتسلمه حقيبة الصحة والحماية الاجتماعية، وجد يونس بجيجو نفسه أمام سؤال يتجاوز لغة التواصل إلى جوهر المسؤولية الحكومية: هل جاء إلى الوزارة بعقلية المسؤول الذي ينصت لانتظارات المغاربة، أم أن الانتقال من تدبير المؤسسات الصحية إلى تدبير قطاع عمومي واسع لم يستحضر بعد حجم الغضب الاجتماعي الذي يحيط بالمنظومة الصحية؟

في مشهد تسليم السلط، أثار استعمال الفرنسية، وفق ما جرى تداوله من ملاحظات وانتقادات، استياء لدى من تسائلوا هل هم أمام وزير يشغل عند حكومة ماكرون، أم هو ذات الوزير الذي عينه جلالة  الملك محمد السادس لخدمة المغاربة كان أولى به أن يجعل اللغة الرسمية للدولة حاضرة في خطابه، وأن يبعث برسالة واضحة مفادها أن الوزارة تتحدث إلى المواطنين بلغتهم الدستورية، لا أن تترك الانطباع بأن التواصل الرسمي موجه أساسا إلى نخبة تتقن لغة أجنبية.

فالفصل الخامس من الدستور واضح: العربية لغة رسمية للدولة، والأمازيغية لغة رسمية أيضا، مع انفتاح المغرب على تعلم اللغات الأجنبية واستعمالها. ولا يعني ذلك أن الحديث بالفرنسية جريمة أو أن إتقانها عيب، وإنما يعني أن المسؤول العمومي مطالب بإدراك الفرق بين امتلاك لغة للتواصل العلمي وبين جعلها اللغة الأبرز في لحظة رسمية يفترض أن تكون موجهة إلى المغاربة كافة.

إن أول ظهور للوزير ليس تفصيلا عابرا، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقطاع يلامس حياة المواطنين في أكثر لحظاتهم هشاشة. وكان بإمكان بجيجو أن يفتتح مهمته برسالة عربية واضحة، يطمئن فيها المرضى والأطباء والممرضين وتقنيي الصحة، ويؤكد أن الوزارة ستضع الإنصات والمحاسبة وتحسين الخدمات في مقدمة أولوياتها. أما حين ينشغل الرأي العام بلغة الخطاب بدل مضمون الالتزامات، فإن ذلك يكشف خللا في التواصل السياسي يستوجب التصحيح منذ البداية.

لكن الإنصاف يقتضي القول إن اللغة وحدها لا تحكم على كفاءة وزير، كما لا يجوز اعتبار استعمال الفرنسية دليلا على الولاء لدولة أجنبية. الامتحان الحقيقي أعمق من ذلك بكثير: هل سيستطيع الوزير الجديد فهم واقع المستشفى العمومي، والإنصات إلى الاحتجاجات، وتحويل خبرته المهنية إلى إصلاح يشعر به المواطن في حياته اليومية؟

من المؤسسات الصحية إلى الوزارة.. هل تكفي الخبرة التدبيرية؟

يونس بجيجو، المزداد بمدينة تازة في الثاني والعشرين من يونيو سنة 1971، طبيب وأستاذ جامعي متخصص في أمراض النساء والتوليد، وتولى مسؤوليات أكاديمية وتدبيرية متعددة. فقد شغل منصب نائب رئيس جامعة الزهراوي الدولية لعلوم الصحة المكلف بالشؤون الأكاديمية بين سنتي 2016 و2022، وتولى مسؤوليات داخل مؤسسة الشيخ خليفة بن زايد منذ شتنبر 2022، ثم أصبح مديرا منتدبا لمؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة في يوليوز 2023. كما يحمل تكوينا في التدبير والسياسات الصحية والقيادة، إلى جانب مساره الطبي والأكاديمي.

هذه المعطيات تؤكد أن الوزير الجديد ليس غريبا عن المجال الصحي، لكنها تفتح في الوقت نفسه سؤالا مشروعا حول طبيعة الانتقال من تدبير مؤسسات صحية إلى تحمل المسؤولية السياسية عن منظومة وطنية كاملة. فالوزارة ليست مؤسسة واحدة، ولا يكفي فيها النجاح الإداري أو الأكاديمي وحده. إنها قطاع عمومي تتداخل فيه الميزانية والموارد البشرية والعدالة المجالية والصفقات والتجهيزات والتغطية الصحية، وتنعكس قراراته مباشرة على حياة ملايين المواطنين.

والفارق كبير بين تدبير مؤسسة لها بنيتها ومواردها وآلياتها الخاصة، وبين مسؤولية الدولة عن مستشفيات تستقبل مرضى لا يملكون في كثير من الأحيان أي بديل. ففي المستشفى العمومي لا تقاس النتائج بعدد الاجتماعات أو الشراكات أو المشاريع المعلنة، وإنما بقدرة المريض على الحصول على موعد، وبوجود الطبيب والممرض، وتوفر الدواء، واحترام كرامة المرتفق، وتقليص الفوارق بين المركز والهامش.

من هنا، لا يطلب المغاربة من بجيجو أن يقدم لهم سيرة ذاتية جديدة، بل أن يقدم لهم أجوبة عملية. ما خطته لتقليص الخصاص في الأطر الصحية؟ ما برنامجه لتحسين ظروف العمل؟ كيف سيتعامل مع الملفات المهنية العالقة؟ وما الآليات التي سيعتمدها لمراقبة جودة الخدمات ومحاسبة المسؤولين عن الاختلالات المثبتة؟ هذه هي الأسئلة التي تمنح التعيين معناه، لا مجرد الانتقال من منصب إلى آخر.

بعد مرحلة أمين التهراوي.. لا وقت لتكرار الوعود

يخلف بجيجو أمين التهراوي على رأس وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، في سياق لا يمكن فصله عن النقاش الاجتماعي الذي أعاد الخدمات العمومية إلى قلب مطالب الشباب والمواطنين. وقد كشفت الاحتجاجات والتحركات الاجتماعية، بما فيها تحركات الشباب المعروفة باسم جيل زد، أن قطاعات الصحة والتعليم والتشغيل لم تعد تحتمل الاكتفاء بتصريحات عامة لا يلمس المواطن أثرها.

ولا يجوز اختزال احتجاجات الشباب في ملف صحي واحد، لكنها تظل مؤشرا على اتساع فجوة الثقة حين يشعر المواطن بأن حاجاته الأساسية لا تجد الاستجابة المطلوبة. ولذلك فإن الوزير الجديد يدخل إلى القطاع في لحظة تحتاج إلى الإصغاء أكثر من الخطابة، وإلى قرارات قابلة للقياس أكثر من الوعود، وإلى الاعتراف بالاختلالات بدل التعامل مع الانتقادات باعتبارها إزعاجا للمسؤولين.

أما المرحلة السابقة، فينبغي تقييمها بحصيلة موثقة: ما الذي تحقق؟ ما الذي تعثر؟ وما الملفات التي ظلت عالقة؟ فالمسؤولية السياسية تقتضي عدم الاكتفاء بتغيير الأسماء، بل تحديد ما ينبغي استمراره وما يستوجب المراجعة، حتى لا يصبح كل تعيين جديد بداية خطاب جديد ونهاية أخرى للوعود القديمة.

والأهم أن العاملين في الصحة ليسوا خصوما للوزارة، بل هم جزء أساسي من أي إصلاح. الطبيب والممرض وتقني الصحة والإداري يواجهون يوميا ضغطا مهنيا ومسؤوليات ثقيلة، ولا يمكن مطالبتهم بتحسين الخدمات دون توفير ظروف العمل المناسبة، وتسوية المستحقات وفق القوانين، وفتح حوار جدي بشأن مطالبهم. كما أن الاحتجاج السلمي، حين يقع في إطار القانون، ليس دليلا على غياب الانضباط، بل وسيلة للتعبير عن مطالب ينبغي فحصها والرد عليها بمسؤولية.

إن أي وزير يختار تجاهل هذا الواقع سيجد نفسه أمام أزمة ثقة تتسع، مهما كانت مؤهلاته العلمية أو قدرته على التواصل بلغات متعددة. وفي المقابل، فإن الوزير الذي يفتح أبواب الوزارة أمام النقابات والأطر الصحية والمرضى، ويعلن أهدافا واضحة وآجالا محددة، يمنح نفسه فرصة لبناء الثقة على أساس النتائج.

المغاربة لا يريدون وزارة تتقن لغة الاجتماعات بقدر ما يريدون مستشفى يحسن استقبالهم، وطبيبا متاحا، ودواء موجودا، وموعدا لا يتحول إلى رحلة انتظار طويلة. ولا يريد العاملون في القطاع خطابات عن الإصلاح بقدر ما يريدون تدبيرا ينصت إليهم ويعالج الملفات المهنية بجدية.

أما يونس بجيجو، فإن تعيينه يضعه أمام مسؤولية لا تسمح له بالاختباء خلف رصيده الأكاديمي أو التدبيري. فالكفاءة لا تُستنتج من الشهادات وحدها، وإنما تثبتها القدرة على اتخاذ القرارات الصعبة وتحمل تبعاتها، كما أن احترام الدستور لا يقف عند حدود معرفة نصوصه، بل يظهر أيضا في الممارسة والتواصل مع المواطنين.

إن أول رسالة يحتاج المغرب إلى سماعها من وزير الصحة الجديد ليست بالفرنسية ولا بالعربية وحدهما، بل بلغة النتائج: برنامج واضح، والتزامات قابلة للمحاسبة، وحوار مسؤول مع الأطر الصحية، وخطة لتحسين الخدمات في المستشفيات والمراكز الصحية، مع نشر حصيلة دورية يعرف المواطن من خلالها ما تحقق وما لم يتحقق.

لقد انتهى زمن منح المسؤولين شيكا على بياض بمجرد تعيينهم. وبجيجو مطالب اليوم بأن يثبت أن انتقاله إلى الوزارة انتقال نحو خدمة عمومية أكثر إنصافا وفعالية، لا مجرد تغيير في الموقع الإداري. أما إذا بقيت لغة التواصل أكثر حضورا من لغة الالتزامات، فإن المغاربة سيجدون أنفسهم أمام بداية لا تختلف عن بدايات سابقة: وعود كثيرة، وانتظارات معلقة، ومريض لا يزال يبحث عمن ينصت إليه.

وزارة الصحة ليست منصة لاستعراض المؤهلات، بل مسؤولية عن حياة الناس وكرامتهم. والاختبار بدأ بالفعل، ولن تنجح فيه لغة واحدة مهما كانت، ما لم تتحول إلى قرارات ملموسة يشعر بها المريض داخل المستشفى العمومي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى