سياسة

عبد الوافي لفتيت.. ثقة ملكية متجددة في رجل الإدارة الترابية وحارس تنزيل التوجيهات الملكية السامية

لم يكن تجديد الثقة الملكية في عبد الوافي لفتيت، بتعيينه مجددا وزيرا للداخلية ضمن الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، مجرد استمرار لمسؤول على رأس قطاع حكومي، بل جاء ليؤكد مكانة الخبرة الإدارية والتراكم المؤسساتي في تدبير وزارة توجد في قلب الدولة، وتتقاطع اختصاصاتها مع الأمن الإداري، والإدارة الترابية، والانتخابات، والجماعات المنتخبة، وأوراش التنمية التي تراهن عليها المملكة في مختلف جهاتها.

فمنذ تعيينه وزيرا للداخلية في أبريل 2017، ظل لفتيت في واجهة الملفات الكبرى المرتبطة بتدبير المجال الترابي وتنفيذ السياسات العمومية، وواكب مراحل سياسية وانتخابية وتنموية متعددة. ومع تجديد الثقة فيه يوم 16 أكتوبر 2026، يدخل مرحلة جديدة من المسؤولية، في وقت تتزايد فيه انتظارات المواطنين بشأن جودة الخدمات العمومية، وتقليص الفوارق المجالية، وتسريع المشاريع، وتحويل التوجيهات الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.

ابن الريف الذي تدرج في المسؤولية الترابية

ولد عبد الوافي لفتيت في 29 شتنبر 1967 بمنطقة تافريست التابعة لإقليم الدريوش، بالريف المغربي، وتلقى تكوينا هندسيا رفيع المستوى بفرنسا، حيث حصل على دبلوم المدرسة المتعددة التكنولوجيات بباريس سنة 1989، ثم دبلوم المدرسة الوطنية للقناطر والطرق سنة 1991. وقد شكل هذا التكوين قاعدة لمسار مهني اتسم بالانتقال بين المسؤوليات التقنية والتدبيرية، قبل أن يتجه إلى الإدارة الترابية التي ستقوده لاحقا إلى وزارة الداخلية.

وبدأ مساره في تدبير المرافق العمومية، قبل أن يلتحق بالإدارة الترابية، حيث عُين عاملا على إقليم الفحص أنجرة سنة 2003، ثم عاملا على إقليم الناظور سنة 2006. وخلال هذه المحطات، راكم تجربة في تدبير الشؤون المحلية ومواكبة التحولات التي عرفتها مناطق شمال المملكة، في سياق توسع المشاريع الاقتصادية والعمرانية وتنامي الحاجة إلى التنسيق بين الإدارات والمصالح العمومية.

وفي يناير 2014، عُين واليا على جهة الرباط سلا زمور زعير وعاملا على عمالة الرباط، قبل أن يتولى لاحقا مسؤولية وزارة الداخلية. وقد شكلت تجربة العاصمة محطة مهمة في مساره، بالنظر إلى ما تفرضه من مسؤوليات ترتبط بتنسيق تدخلات المصالح الإدارية، ومواكبة الأوراش الحضرية، وتتبع المشاريع، وضمان استمرارية المرافق العمومية.

وتكشف هذه المحطات عن مسار إداري انتقل فيه لفتيت من المسؤولية المحلية إلى الإشراف على المجال الترابي على مستوى جهوي، ثم إلى تدبير قطاع حكومي مركزي يمتد تأثيره إلى مختلف أقاليم المملكة. وهي تجربة راكمت معرفة عملية بآليات اشتغال الإدارة، وبطبيعة العلاقة بين المركز والجهات والعمالات والأقاليم والجماعات الترابية.

وزارة الداخلية.. موقع محوري في تنفيذ التوجيهات الملكية

منذ تعيينه وزيرا للداخلية سنة 2017، أصبح عبد الوافي لفتيت مسؤولا عن قطاع تتجاوز مهامه التدبير الإداري التقليدي، بالنظر إلى الدور المحوري الذي تضطلع به الوزارة في مواكبة تنفيذ السياسات العمومية على المستوى الترابي، وتنسيق عمل الولاة والعمال، والإشراف الإداري على الاستحقاقات الانتخابية، ومواكبة الجماعات الترابية، وتتبع عدد من البرامج الوطنية ذات الأثر المباشر على المواطنين.

وتبرز أهمية هذه المسؤولية بشكل خاص في تنزيل التوجيهات الملكية السامية، التي تقتضي انتقالا منظما من الرؤية الاستراتيجية إلى التخطيط والتنسيق والتنفيذ والتقييم. وفي هذا السياق، ارتبط عمل لفتيت بعقد اجتماعات التنسيق، وتوجيه الإدارة الترابية، وإشراك المسؤولين المحليين والمنتخبين في إعداد البرامج، مع الحرص على تتبع تقدم الأوراش التي تدخل ضمن اختصاصات الوزارة.

وقد برز هذا الدور في ورش الجهوية المتقدمة، الذي يشكل أحد الاختيارات الاستراتيجية للمملكة في تنظيم التنمية وتوزيع الاختصاصات وتعزيز دور الجهات. ففي أبريل 2025، ترأس لفتيت اجتماعا خصص لتتبع تنفيذ هذا الورش، وعُرض خلاله مشروع خارطة طريق لاستكمال تنزيل مخرجات المناظرة الوطنية الثانية للجهوية المتقدمة، المنعقدة بطنجة في دجنبر 2024، بما في ذلك التوجيهات الملكية والاتفاقيات الإطار الموقعة على هامشها.

وتكمن أهمية هذا المسار في أن الجهوية المتقدمة لا تتحقق بمجرد نقل الاختصاصات إلى المؤسسات المنتخبة، بل تحتاج إلى آليات واضحة للتنسيق والتمويل والتنفيذ، وإلى إدارة قادرة على مواكبة الجهات في ممارسة صلاحياتها وتحويل برامجها إلى مشاريع قابلة للإنجاز والتقييم.

من التوجيه الملكي إلى برامج تنموية ميدانية

شكل خطاب العرش ليوم 29 يوليوز 2025 محطة بارزة في توجيه السياسات العمومية نحو إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، يستهدف تقليص الفوارق المجالية، وتعزيز العدالة في توزيع فرص التنمية، وربط الاستثمار بالحاجيات الحقيقية للسكان.

وفي سياق تفعيل هذه التوجيهات، تحركت وزارة الداخلية لتعبئة الولاة والعمال وإطلاق مشاورات على مستوى العمالات والأقاليم، بمشاركة المنتخبين ومكونات المجتمع المدني والفاعلين المحليين. كما ترأس لفتيت، في دجنبر 2025، اجتماعا مع رؤساء الجهات الاثنتي عشرة بحضور الولاة، خُصص لتعميق دور الجماعات الترابية في صياغة هذه البرامج وتنفيذها.

وتبرز هذه الخطوات طبيعة الدور الذي تضطلع به وزارة الداخلية في تحويل التوجيهات الملكية إلى مسارات عمل إدارية وترابية، من خلال التشخيص وتحديد الأولويات وتنسيق المتدخلين وإشراك المؤسسات المعنية. غير أن الرهان الحاسم يظل في مدى انعكاس هذه البرامج على حياة المواطنين، من خلال تحسين الولوج إلى الصحة والتعليم والتشغيل، وتطوير البنيات الأساسية، وتعزيز التنمية القروية، وتدبير الموارد المائية، والحد من التفاوتات بين المناطق.

ومن هنا، فإن الحديث عن لفتيت باعتباره مسؤولا عن تتبع تنزيل التوجيهات الملكية يستند إلى أدوار مؤسساتية موثقة اضطلعت بها الوزارة تحت إشرافه، فيما يظل تقييم النتائج النهائية رهينا بما يتحقق فعليا من مشاريع وآثار اجتماعية واقتصادية على مستوى مختلف المجالات الترابية.

تحديث النقل الحضري.. ورش يتجاوز التدبير التقليدي

ومن الملفات التي حملت بصمة واضحة في عمل الوزارة، برنامج تحديث النقل الحضري بواسطة الحافلات للفترة الممتدة بين 2025 و2029، الذي أعلن عنه لفتيت في يناير 2025، بكلفة استثمارية إجمالية تبلغ 11 مليار درهم، ويهم 37 سلطة مفوضة، مع برمجة اقتناء 3746 حافلة.

ويقوم البرنامج على الفصل بين الاستثمار والاستغلال، بحيث تتولى الدولة اقتناء الحافلات والتكفل بجوانب الاستثمار المحددة، في حين يعهد بالتسيير إلى الشركات وفق آليات التدبير المفوض، مع اعتماد وسائل حديثة لتتبع العقود وتحسين جودة الخدمات. كما شملت طلبات العروض الأولى مدنا من بينها فاس ومراكش وطنجة وتطوان وأكادير وبنسليمان.

وتكشف هذه المبادرة عن توجه نحو معالجة إشكالية النقل الحضري باعتبارها قضية يومية تمس تنقل المواطنين وجودة الحياة والعدالة في الولوج إلى الخدمات. كما تضع البرنامج أمام اختبار التنفيذ الفعلي، بما يتطلبه من احترام الآجال، وضمان جودة الحافلات، وتحسين انتظام الرحلات، وتوفير شروط تدبير أكثر فعالية واستجابة لحاجيات المستعملين.

الانتخابات والحكامة الترابية.. مسؤولية دقيقة

تتولى وزارة الداخلية أيضا أدوارا محورية في الإعداد الإداري للاستحقاقات الانتخابية وتنظيمها، وتنسيق عمل السلطات المعنية، وضمان احترام المساطر القانونية المؤطرة لها. وقد شكلت الانتخابات التشريعية في 23 شتنبر 2026 محطة جديدة ضمن هذا المسار، في سياق سياسي يتطلب يقظة إدارية ومؤسساتية، وتدبيرا دقيقا لمختلف مراحل العملية الانتخابية.

وتتجاوز أهمية هذه المهمة الجانب التنظيمي، لتشمل ضرورة توفير الشروط الإدارية والقانونية التي تسمح بإجراء الاستحقاقات في إطار القواعد الجاري بها العمل، مع احترام اختصاصات المؤسسات المعنية والضمانات القانونية المرتبطة بالمنافسة الانتخابية.

كما ترتبط مسؤولية الوزارة بمواكبة الجماعات الترابية، وتقوية آليات الحكامة المحلية، وتتبع برامج التنمية، وتنسيق تدخلات المصالح اللاممركزة. وهي ملفات تجعل الإدارة الترابية إحدى الواجهات الأساسية التي يقاس من خلالها أثر السياسات العمومية، لأن المواطن يلمس نتائجها في خدماته اليومية وفي مستوى التجهيزات والبنيات الأساسية والاستجابة لحاجيات مجاله.

ثقة ملكية تضع المسؤول أمام امتحان النتائج

إن استمرار عبد الوافي لفتيت على رأس وزارة الداخلية يعكس اختيارا مؤسساتيا يقوم على استثمار الخبرة والتراكم الإداري في قطاع تتطلب مسؤولياته معرفة دقيقة بالمجال الترابي وآليات اشتغال الدولة. لكن هذه الاستمرارية لا تعني أن المرحلة الجديدة امتداد آلي لما سبق، بل تفتح أمامه مسؤولية مواصلة الأوراش القائمة وتسريع تنفيذ البرامج، في ظل انتظارات اجتماعية متزايدة وتحديات مرتبطة بالتنمية والخدمات والحكامة.

وتبقى قوة أي مسؤول إداري في قدرته على تحويل التوجيهات إلى إجراءات عملية، وتعبئة المؤسسات حول أهداف واضحة، ومتابعة التنفيذ، ومعالجة التعثرات، وربط الإنجاز بالنتائج. ومن هذه الزاوية، يبرز موقع وزير الداخلية باعتباره حلقة وصل أساسية بين التوجهات الاستراتيجية للدولة والإدارة الترابية التي يفترض أن تجعل أثرها ملموسا في حياة المواطنين.

لقد راكم لفتيت، منذ توليه الوزارة سنة 2017، تجربة طويلة في مواكبة ملفات الجهوية المتقدمة، والبرامج التنموية المندمجة، وتحديث النقل الحضري، وتنظيم الاستحقاقات الانتخابية، إلى جانب مختلف الاختصاصات التي تضطلع بها وزارة الداخلية. وتوفر هذه التجربة قاعدة إدارية مهمة، غير أن الرهان الأساسي يظل في تسريع التنفيذ، وتعزيز الشفافية والنجاعة، وتحقيق التوازن بين مختلف المجالات الترابية.

وبين الثقة الملكية المتجددة وثقل المسؤولية، يدخل عبد الوافي لفتيت مرحلة جديدة من قيادة وزارة الداخلية، في وقت تحتاج فيه الأوراش الوطنية إلى إدارة ميدانية فعالة، وتنسيق مستمر بين المؤسسات، وتتبع دقيق لمراحل التنفيذ. فالتوجيهات الملكية السامية ترسم الاختيارات الكبرى، أما نجاح تنزيلها فيقاس بقدرة مختلف المؤسسات والمسؤولين على تحويلها إلى مشاريع منجزة، وخدمات أفضل، وفرص أوسع، وتنمية أكثر إنصافا للمواطنين في المدن والقرى على حد سواء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى