تاونات.. بلاغ المجموعة الصحية الترابية يثير الجدل ويدفع إلى التساؤل عن حصيلة التدبير بدل تقديم أجوبة مقنعة عن معاناة الساكنة

أثار توضيح المجموعة الصحية الترابية فاس–مكناس بشأن واقعة الطفلة التي تعرضت للدغة أفعى بإقليم تاونات نقاشاً يتجاوز تفاصيل التكفل الطبي بالحالة، ليضع طريقة تواصل المؤسسة مع الرأي العام تحت المجهر، خصوصاً بعدما اختارت الرد على الانتقادات التي أثارها البرلماني محمد احجيرة بلغة التبرير والتلويح بتعزيز الشراكات، دون أن يقدم البلاغ، في حد ذاته، أجوبة شاملة عن الإشكالات التي تعاني منها المنظومة الصحية بالإقليم.
وفي الوقت الذي تحدث فيه البرلماني محمد احجيرة عن وضعية سيارات الإسعاف وإشكالية توفير المصل المضاد لسموم الأفاعي، فإن مداخلته، باعتباره برلمانياً من أبناء المنطقة وملماً بتفاصيل معاناة ساكنتها، أعادت إلى الواجهة أسئلة يطرحها المواطنون منذ مدة حول جاهزية المرافق الصحية، وسرعة الاستجابة للحالات الاستعجالية، ومدى توفر الوسائل الضرورية لإنقاذ الأرواح في منطقة تتسم بامتدادها القروي وصعوبة التنقل في عدد من جماعاتها.
ومن هذا المنطلق، فإن التعامل مع تصريحات البرلماني بمنطق الرد المؤسساتي وحده لا يكفي لإغلاق النقاش، لأن جوهر القضية لا يتعلق فقط بما إذا كانت الحالة الطبية للطفلة تستدعي استعمال المصل وفق التقييم الذي أعلنته المجموعة، بل أيضاً بمدى استعداد المنظومة الصحية للتعامل مع حالات مماثلة، وبمدى توفر وسائل النقل الاستعجالي حين يحتاج إليها المواطنون.
احجيرة يتحدث من واقع المنطقة.. والاختبار هو الإجابة عن الأسئلة
إن الدفاع عن حق البرلماني محمد احجيرة في إثارة هذه الملفات لا يعني التسليم المسبق بصحة كل التفاصيل التي أوردها،لأنه يعرف جيدا المنطقة و خبر دواويرها و دروبها و مداشيرها و يعرف النقص الحاد الذي تواجهه الساكنة المحلية مع قطاع الصحة، و كذلك إنما يعني أن مساءلة المؤسسات الصحية بشأن الخدمات العمومية تظل من صميم الدور الرقابي والتمثيلي للمنتخبين، خصوصاً عندما ترتبط المسألة بحق الساكنة في العلاج والاستجابة الاستعجالية.
فاحجيرة، باعتباره ابن المنطقة، لا يتحدث عن ملف بعيد عن محيطه الاجتماعي، بل عن واقع صحي عاشته تاونات على وقع احتجاجات وانتقادات سابقة، وعن مطالب متراكمة تتعلق بظروف الاستقبال والتطبيب والنقل الصحي، وهي قضايا لا يمكن اختزالها في واقعة واحدة أو تجاوزها بمجرد إصدار بلاغ توضيحي.
وكان المستشفى الإقليمي بتاونات محطة لنقاشات واحتجاجات سابقة بشأن الخدمات الصحية، وهو ما يجعل استحضار هذه الخلفية ضرورياً لفهم أسباب الحساسية التي أثارتها واقعة الطفلة الأخيرة. فالساكنة التي تحملت عناء التنقل والانتظار، والتي تضطر في بعض الحالات إلى البحث عن خدمات متخصصة خارج الإقليم، تنتظر من المؤسسات أجوبة عملية حول واقع العرض الصحي، لا مجرد توضيحات تقتصر على الحالة المعنية.
ولا يمكن، في المقابل، اعتبار كل احتجاج دليلاً قاطعاً على وجود خلل طبي محدد، لكن تكرار المطالب والانتقادات يفرض على الجهات المسؤولة التعامل معها باعتبارها مؤشرات تستحق التقييم والتحقق، بدل الاكتفاء بالدفاع عن التدخلات المنجزة في واقعة بعينها.
الشراكة مع الجماعات.. حل تكميلي أم اعتراف بحجم الإشكال؟
ومن أكثر النقاط التي تستحق التوقف عندها في توضيح المجموعة الصحية الترابية إعلانها العمل على تعزيز جاهزية وفعالية المصالح المتنقلة للمستعجلات والإنعاش، من خلال إشراك سيارات إسعاف الجماعات الترابية في إطار اتفاقيات شراكة.
فبدل أن ينهي هذا الإعلان النقاش، فإنه يفتح الباب أمام سؤال جوهري: إذا كانت المؤسسة تتجه إلى الاستعانة بإمكانات الجماعات الترابية لتعزيز النقل الصحي الاستعجالي، فما حجم الوسائل المتوفرة لديها حالياً؟ وما طبيعة الخصاص الذي تسعى هذه الشراكات إلى معالجته؟ وهل يتعلق الأمر بإجراء تكميلي لتحسين الخدمة، أم باستجابة لحاجة ميدانية تستدعي توضيحاً أكثر دقة؟
إن الشراكة بين المؤسسات الصحية والجماعات الترابية ليست في حد ذاتها أمراً سلبياً، بل يمكن أن تكون آلية مفيدة لتقريب الخدمات من المواطنين، شريطة أن تقوم على اتفاقيات واضحة، وتحديد المسؤوليات، وضمان الجاهزية التقنية والبشرية لسيارات الإسعاف، مع وضع آليات تضمن استمرارية الخدمة وعدم ترك المرضى رهائن لتوفر وسيلة نقل في لحظة معينة.
لكن تحويل الشراكات إلى عنوان رئيسي للرد على انتقادات تتعلق بالنقل الصحي لا يعفي المجموعة من واجب توضيح الإمكانات الموجودة فعلياً، وعدد سيارات الإسعاف الموضوعة رهن إشارة المؤسسات الصحية، ومدى جاهزيتها، وكيفية تدبير الحالات التي تتطلب نقلاً عاجلاً. كما لا يعفيها من تقديم معطيات عن التوزيع المجالي لهذه الوسائل، خصوصاً في الإقليم الذي تتباعد فيه الجماعات وتختلف فيه ظروف الولوج إلى العلاج.
وهنا تكمن المفارقة التي يثيرها البلاغ: فالمؤسسة التي تريد طمأنة الرأي العام بشأن قدرتها على تدبير الخدمات الاستعجالية تجد نفسها، من خلال الحديث عن توسيع الشراكات، مطالبة بتقديم تفاصيل أكثر عن واقع هذه الخدمات، وعن الأسباب التي تجعل تعزيز النقل الصحي موضوعاً مطروحاً في هذا التوقيت.
من واقعة الطفلة إلى معاناة الساكنة.. لا يكفي شرح البروتوكول الطبي
حرصت المجموعة الصحية الترابية على التأكيد أن الطفلة خضعت لتقييم طبي من طرف أخصائي في الإنعاش والتخدير، وأن حالتها صُنفت ضمن الدرجة الأولى من التسمم، وفق ما ورد في توضيحها، قبل اتخاذ قرار نقلها إلى المستشفى الجامعي للأم والطفل الحسن الثاني بفاس لاستكمال العلاج والمراقبة.
وهذه المعطيات الطبية، إذا ثبتت وفق الملف الطبي، تظل من اختصاص المهنيين المعالجين، ولا يصح التشكيك فيها من دون أدلة أو تقييم طبي مستقل. غير أن صحة القرار الطبي المتعلق بحالة محددة لا تجيب تلقائياً عن جميع الأسئلة المرتبطة بجاهزية المنظومة الصحية في تاونات، كما أن نجاح التكفل بحالة واحدة لا يكفي وحده لتقييم جودة الخدمات الاستعجالية على مستوى الإقليم.
فالسؤال الذي ينتظر المواطنون جواباً عنه هو ما إذا كانت المؤسسات الصحية تتوفر على التجهيزات والأدوية الضرورية، وعلى وسائل نقل جاهزة في مختلف الأوقات، وعلى مسارات واضحة لتوجيه الحالات التي تحتاج إلى تدخلات متخصصة. كما ينتظرون توضيحاً بشأن كيفية تدبير الحالات المشابهة، والوسائل التي تضمن عدم ضياع الوقت في التنقل أو البحث عن سيارة إسعاف متاحة.
وتتضاعف أهمية هذه الأسئلة في المناطق القروية، حيث يمكن أن تتحول المسافة الفاصلة بين مكان وقوع الحادث والمؤسسة الصحية، أو بين المستشفى الإقليمي والمركز الاستشفائي الجامعي، إلى عامل حاسم في رحلة العلاج. لذلك فإن الحديث عن البروتوكول الطبي ينبغي أن يتكامل مع توضيح شروط النقل والاستقبال والإحالة، لا أن يحل محل النقاش بشأنها.
بلاغ دفاعي بدل أجوبة عملية؟
كان بإمكان المجموعة الصحية الترابية أن تجعل من توضيحها مناسبة لتقديم حصيلة دقيقة بشأن وضعية النقل الصحي بإقليم تاونات، والكشف عن الإجراءات المتخذة لتفادي أي ارتباك مستقبلي، وتحديد ما إذا كانت هناك حاجيات إضافية على مستوى سيارات الإسعاف والأطر والتجهيزات. غير أن التركيز على شرح التدخل الطبي وإبراز اتفاقية الشراكة مع الجماعة يترك عدداً من الأسئلة الأساسية دون أجوبة معلنة.
والأكثر أهمية أن المؤسسة لم تقدم، في المعطيات الواردة في البلاغ، جدولة واضحة للإجراءات المقبلة، ولا تفاصيل دقيقة عن الإمكانات المتوفرة أو التدابير التي ستضمن جاهزية النقل الصحي عند تزامن أكثر من حالة استعجالية. وهي معطيات كان من شأنها أن تمنح التوضيح قيمة عملية، وتساعد على نقل النقاش من تبادل المواقف إلى معالجة الإشكال.
أما الاكتفاء بلغة دفاعية، من دون عرض أرقام قابلة للتحقق أو التزامات محددة، فيخاطر بتحويل البلاغ من أداة للطمأنة إلى مناسبة لتجدد التساؤلات حول طريقة تدبير التواصل المؤسساتي. فالمواطن لا ينتظر من المؤسسة الصحية أن تدخل في سجال مع منتقديها، بل أن تشرح ما جرى، وتوضح ما هو متوفر، وتعترف بما قد يحتاج إلى تحسين، وتعلن ما ستفعله لمعالجة أوجه القصور إن ثبتت.
ومن غير المنصف أيضاً تحميل المؤسسة مسؤولية كل الاختلالات المحتملة من دون معطيات، لكن من غير المقبول، في المقابل، أن تتحول ضرورة التحقق من الوقائع إلى ذريعة لتأجيل الإجابة عن المطالب المشروعة للساكنة. فالشفافية تقتضي تقديم المعلومات التي يمكن نشرها، مع احترام سرية المعطيات الطبية، وتحديد المسؤوليات والآجال، وفتح قنوات تواصل جدية مع المنتخبين وممثلي الساكنة.
تاونات تحتاج إلى حلول ملموسة لا إلى سباق البلاغات
إن ما يجري اليوم يعيد طرح سؤال أوسع حول مدى قدرة المجموعة الصحية الترابية فاس–مكناس على الانتقال من منطق تدبير الملفات الإدارية إلى معالجة الإشكالات الميدانية التي يواجهها المواطنون، خصوصاً في الأقاليم التي تتطلب فيها الجغرافيا القروية تنظيماً دقيقاً لخدمات الاستعجال والنقل الصحي.
فإذا كانت المؤسسة تؤكد أن التكفل بالطفلة تم وفق البروتوكول المعتمد، فإن ذلك لا يلغي ضرورة تقييم ظروف النقل الصحي، ولا ينهي النقاش بشأن توفر الوسائل والإمكانات في الإقليم. وإذا كانت الشراكات مع الجماعات الترابية جزءاً من الحل، فإن نجاحها يظل رهيناً بتوضيح كيفية تفعيلها، وضمان جاهزية سيارات الإسعاف، وتحديد المسؤوليات المالية والتقنية والبشرية، وإخضاع النتائج للتقييم.
وفي هذا السياق، تبدو إثارة محمد احجيرة للموضوع فرصة لفتح نقاش مؤسساتي حول واقع الخدمات الصحية بتاونات، لا مناسبة لتحويل الخلاف إلى مواجهة شخصية أو سياسية. فالبرلماني مطالب بنقل انشغالات الساكنة ومتابعة مآلها، والمجموعة الصحية مطالبة بتقديم الأجوبة المهنية والعملية، فيما يبقى المواطن هو الطرف الذي ينبغي أن تكون مصلحته في صلب أي نقاش أو قرار.
وتحتاج تاونات اليوم إلى ما هو أبعد من توضيح ملابسات واقعة واحدة: تحتاج إلى تقييم معلن لوضعية النقل الصحي، وخريطة واضحة للحاجيات، وآليات فعالة للتكفل بالحالات الاستعجالية، وتواصل مؤسساتي يضع الوقائع والأرقام والالتزامات أمام الرأي العام.
ذلك أن الثقة في المرفق الصحي لا تُبنى بالرد على الانتقادات وحدها، بل بقدرة المؤسسة على تحويلها إلى فرصة لتصحيح الاختلالات وتحسين الخدمات. أما الهروب إلى الأمام، أو الاكتفاء ببلاغات لا تتضمن أجوبة كافية عن الأسئلة المطروحة، فلن يبدد قلق الساكنة، ولن ينهي النقاش الذي أعادته واقعة الطفلة إلى الواجهة.






