شوكي يضع برنامج الأحرار أمام المغاربة: ثلاثة التزامات و12 إجراء لرسم «مسار المستقبل»

دخل حزب التجمع الوطني للأحرار،مساء أمس الثلاثاء، مرحلة جديدة من سباق الانتخابات التشريعية، بإخراج برنامجه الانتخابي للفترة الممتدة بين 2026 و2031 إلى الواجهة، في ندوة صحفية اختار فيها محمد شوكي، رئيس الحزب، أن يقدم الرؤية السياسية والاجتماعية والاقتصادية للأحرار من موقع حزب يقود الحكومة منذ 2021، وليس من موقع حزب يكتفي بتقديم وعود انتخابية.
واختار الحزب لبرنامجه شعار «كرامة وفرص للجميع»، فيما تقوم الرؤية العامة على شعار «مغرب واحد.. مسار واحد لجميع المغاربة»، في رسالة سياسية واضحة مفادها أن المرحلة المقبلة، وفق تصور الأحرار، ينبغي أن تنتقل من مرحلة تأسيس الأوراش الاجتماعية إلى مرحلة تعميق أثرها وتحويلها إلى مكاسب أكثر استدامة بالنسبة للمواطنين.
شوكي.. البرنامج ليس وليد اللحظة الانتخابية
محمد شوكي حرص خلال الندوة الصحفية على إعطاء البرنامج خلفية سياسية مختلفة، مؤكداً أن مضامينه لم تُجمع في اللحظات الأخيرة ولم تكن، حسب طرحه، نتاج عمل مكاتب دراسات أعدت وثيقة انتخابية جاهزة، وإنما جاءت نتيجة لمسار طويل من الإنصات والتواصل الميداني مع المواطنين، في المدن والقرى، ومناقشة قضايا التنمية مع المنتخبين والمهنيين والمنظمات الموازية للحزب.
وبذلك حاول رئيس الأحرار تقديم البرنامج باعتباره امتداداً لما يسميه الحزب مسار القرب والإنصات، الذي مر عبر محطات متعددة، قبل الوصول إلى «مسار المستقبل».
وأكد شوكي أن فلسفة الحزب تقوم على بناء دولة اجتماعية حديثة وقوية لا تكتفي بتقديم المساعدة للمواطن، وإنما تحميه من الصدمات، وتواكبه في مراحل حياته، ثم تمكنه من بناء استقلاليته الاقتصادية. وهي فلسفة لخصها في ثلاث كلمات: الحماية، والمواكبة، والتمكين.
وهنا تكمن إحدى أهم الرسائل السياسية للبرنامج الجديد: الأحرار يريدون الانتقال من خطاب «الدعم» إلى خطاب «التمكين»، ومن معالجة الهشاشة بعد وقوعها إلى بناء آليات تحمي الأسر قبل أن تتحول الأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى أزمات معيشية.
القدرة الشرائية في صدارة الأولويات
الالتزام الأول الذي قدمه شوكي يتعلق بـالحماية المستدامة للقدرة الشرائية، وهو اختيار يعكس بشكل مباشر حجم الضغط الذي أصبحت تمثله كلفة المعيشة في النقاش العمومي المغربي.
ويقترح الحزب أربعة «أدرع» لحماية الأسر وتحسين مستوى عيشها، تشمل الحماية الاجتماعية، والادخار، وتحسين الأجور والمعاشات، ودعم الأسر في مجال التعليم.
ويستهدف «الدرع الاجتماعي»، وفق المعطيات التي قدمها الحزب، نحو أربعة ملايين أسرة، أي حوالي 12 مليون مواطن، من بينهم أكثر من 5.5 ملايين طفل، عبر رفع قيمة الدعم الاجتماعي المباشر وربطه بمعدلات التضخم، مع مقترح يتراوح فيه الدعم بين 500 و1350 درهماً شهرياً للأسرة. كما يتضمن التصور استمرار الاستفادة من الدعم لمدة 12 شهراً بعد الحصول على عمل، بما يمنح الأسرة فترة انتقالية أكثر أماناً نحو الاستقلال الاقتصادي.
ويشمل التصور كذلك دعماً لتمدرس الأطفال، في وقت يقترح فيه البرنامج آليات جبائية لمساعدة الأسر على تحمل تكاليف التعليم، خصوصاً بالنسبة للطبقة المتوسطة.
أما «درع الادخار»، فيستهدف بالأساس العاملين في القطاع غير المهيكل، عبر تشجيعهم على بناء مدخرات يمكن أن تتحول إلى رأسمال يوفر لهم هامشاً من الأمان والاستقلالية الاقتصادية.
وفي ما يتعلق بالدخل، يضع الحزب ضمن برنامجه هدف رفع الحد الأدنى للأجور إلى 5000 درهم، إلى جانب إعادة تقييم معاشات التقاعد، بما يرفع الدخل ويحسن القدرة الشرائية. وكان شوكي قد أكد في محطات تواصلية سابقة أن هذا الالتزام يأتي في إطار نقاش مؤسساتي واجتماعي وليس باعتباره قراراً منفرداً.
الخدمات العمومية.. الاختبار الأصعب
إذا كان الالتزام الأول يخاطب جيب المواطن، فإن الالتزام الثاني يتجه مباشرة إلى الخدمات التي يحصل عليها المواطن مقابل ما يؤديه من ضرائب ومساهمات.
وشدد شوكي على أن الأحرار يريدون مغرباً يتمتع فيه المواطنون بخدمات عمومية ذات جودة، بغض النظر عن مكان إقامتهم، مع تقليص الفوارق المجالية في الماء والطاقة والتعليم والصحة.
في قطاع الماء، يضع الحزب هدف تعميم الولوج الآمن والمستدام إلى المياه، وتسريع إنجاز السدود والربط بين الأحواض، وتوسيع تحلية مياه البحر، إلى جانب حلول القرب وتجميع مياه الأمطار.
لكن اللافت في طرح شوكي هو التركيز على «نقطة الاستهلاك الأخيرة»، أي وصول الماء إلى المنزل، مع التزام بتعميم الربط الفردي بالماء في العالم القروي في أفق 2031، في محاولة لمعالجة واحد من أبرز مظاهر الفوارق بين المجالين الحضري والقروي.
وفي مجال الطاقة، يقترح البرنامج تمكين الأسر من إنتاج الكهرباء بواسطة الطاقة الشمسية دون أداء مسبق، مع إمكانية بيع فائض الإنتاج، إلى جانب حماية الشرائح الهشة من ارتفاع تعريفة الكهرباء خلال فترات الأزمات وتعزيز الاستثمار في الغاز والهيدروجين الأخضر.
أما التعليم، فيقترح الحزب توسيع تجربة مدارس الريادة، وتعميم النقل والمطاعم المدرسية بالعالم القروي، وخفض الهدر المدرسي إلى النصف، ورفع عدد الجامعات من 12 إلى 27 جامعة، واستكمال مدن المهن والكفاءات.
وفي الصحة، يطرح البرنامج رفع الكثافة الطبية من 30 إلى 45 مهنياً صحياً لكل عشرة آلاف نسمة في أفق 2030، وتأهيل 1600 مؤسسة للرعاية الصحية الأولية، وإحداث 200 مؤسسة جديدة بالمناطق التي تعرف خصاصاً، إلى جانب تطوير الطب عن بعد وإطلاق الرقم الوطني الموحد للمساعدة الطبية الاستعجالية 141.
وهكذا، فإن الرهان الذي وضعه شوكي أمام المواطنين لا يتعلق فقط بزيادة الموارد المالية أو الدعم، وإنما بجودة الخدمة العمومية نفسها، باعتبارها أحد أهم معايير قياس الدولة الاجتماعية.
مليون منصب شغل.. من الدعم إلى الاستقلالية
أما الالتزام الثالث فيتعلق بـالإدماج الاقتصادي، وهو ربما الجانب الأكثر ارتباطاً بفلسفة «التمكين» التي تحدث عنها شوكي.
ويتعهد الحزب بإحداث مليون منصب شغل خلال الفترة 2026-2031 وخفض معدل البطالة إلى 9 في المائة، مع استهداف نمو اقتصادي في حدود 5 في المائة وتعبئة الاستثمارات في قطاعات الصناعة والسياحة والفلاحة والاقتصاد الرقمي والأوراش الكبرى.
وقدم شوكي توزيعاً أولياً لمصادر فرص الشغل المستهدفة، من بينها 300 ألف منصب في السياحة والخدمات ومهن الثقافة والفن والترفيه، و250 ألفاً في مجال الرقمنة، و150 ألفاً في القطاع الفلاحي، إضافة إلى الصناعة والأوراش الكبرى.
ويأتي هذا الرهان في سياق اقتصادي يستفيد فيه المغرب من دينامية استثمارية مرتبطة أيضاً بالمشاريع الكبرى والبنيات التحتية والتحضير للاستحقاقات الدولية، وفي مقدمتها كأس العالم 2030.
لكن الحزب لا يربط الإدماج الاقتصادي بعدد مناصب الشغل فقط، إذ يقترح كذلك تحقيق 250 ألف إدماج مهني سنوياً عبر برامج التشغيل والتكوين.
«منحة العودة إلى الشغل» وبطاقة العامل الموسمي
ومن بين الإجراءات الجديدة التي أثارت الانتباه في البرنامج، مقترح تحويل آلية التعويض عن فقدان العمل إلى «منحة للعودة إلى الشغل»، مع تمديد مدة الاستفادة من ستة أشهر إلى 12 شهراً، وتخفيف شروط الاستحقاق، مع إمكانية بلوغ التعويض 70 في المائة من الأجر المرجعي في سقف يصل إلى أربعة أضعاف الحد الأدنى للأجور.
كما يقترح الحزب إحداث بطاقة للعامل الموسمي، تسمح باحتساب فترات العمل الموسمي ضمن الحقوق الاجتماعية، بما يشمل التغطية الصحية والتقاعد والتعويضات العائلية ومنحة العودة إلى الشغل.
ويستهدف هذا الإجراء فئة واسعة من العمال الذين يتحركون بين قطاعات ومهن موسمية، خصوصاً في الفلاحة والبناء وغيرها، حيث يظل الاستقرار المهني والحماية الاجتماعية من أبرز التحديات.
ويذهب البرنامج أبعد من ذلك عبر اقتراح تقنين أكبر لعقود الشغل محددة المدة وحصر استخدامها في الحالات الاستثنائية، بهدف الحد من هشاشة بعض أشكال التشغيل.
القروض بدون فائدة.. محاولة لنقل المواطن من الهشاشة إلى الإنتاج
وفي الجانب المتعلق بالمقاولات الصغيرة جداً وحاملي المشاريع والمستقلين، يقترح الحزب إحداث صندوق للقروض الإنتاجية بفائدة صفر في المائة، مع ضمان الدولة للتمويل وعدم إلزام المستفيدين بتقديم ضمانات شخصية.
ويستهدف هذا المقترح الأشخاص الموجودين في وضعية هشاشة والراغبين في خلق مشاريع مدرة للدخل، مع مواكبة وتكوين وتتبع للمشاريع، فضلاً عن فتح المجال أمام مغاربة العالم الراغبين في الاستثمار بالمغرب.
وهنا يظهر بوضوح التحول الذي يحاول الحزب تسويقه: الدولة، وفق هذه الرؤية، لا ينبغي أن تبقى مجرد شبكة أمان تقدم الدعم، بل تتحول إلى شريك يساعد المواطن على خلق مشروع ودخل وفرصة للاستقلال الاقتصادي.
شوكي يرفع سقف المنافسة الانتخابية
سياسياً، لا يمكن فصل عرض البرنامج عن طبيعة المرحلة الانتخابية الحالية.
فالأحرار يقدمون البرنامج باعتباره حصيلة لخمس سنوات من التدبير الحكومي، ويضعون أنفسهم أمام الناخبين باعتبارهم حزباً مطالباً بالدفاع عن حصيلة وفي الوقت نفسه بتقديم أجوبة عن الاختلالات التي ما تزال قائمة.
وهذا ما جعل خطاب شوكي يركز على مفردات مثل الإنجاز، الواقعية، القابلية للتنفيذ، والإنصات، في محاولة لتحويل المنافسة الانتخابية من مجرد صراع حول الشعارات إلى مقارنة بين البرامج وقدرة الأحزاب على تنفيذها.
وفي هذا السياق، سبق لشوكي أن أعلن ثقته في قدرة التجمع الوطني للأحرار على تصدر الاستحقاقات المقبلة، داعياً منافسيه إلى تقديم برامجهم وأفكارهم حتى تكون المنافسة، بحسب خطابه، حول البدائل السياسية والقدرة على الإنجاز.
كما أن الحزب يقدم برنامجه باعتباره امتداداً لمسار تواصلي طويل، شارك فيه أكثر من 100 ألف مواطن ومواطنة وفق المعطيات التي قدمها عضو المكتب السياسي مروان شبعتو، وهو ما يستخدمه الحزب لتأكيد أن مضامين البرنامج مرتبطة، من وجهة نظره، بالانتظارات التي جرى رصدها ميدانياً.
من «الحصيلة» إلى «مسار المستقبل»
ما قدمه محمد شوكي في الندوة الصحفية يتجاوز في دلالته التقنية مجرد لائحة إجراءات؛ فهو يمثل محاولة من الأحرار لإعادة بناء خطابهم الانتخابي على أساس معادلة واضحة: الدفاع عن حصيلة الولاية الحكومية، الاعتراف بأن بعض الأوراش تحتاج إلى استكمال، ثم تقديم برنامج جديد يركز على الدخل والخدمات والشغل.
وإذا كان الالتزام الأول يخاطب القدرة الشرائية، والثاني جودة الخدمات العمومية، فإن الثالث يراهن على خلق شروط الاستقلال الاقتصادي.
وبذلك يصبح شعار «مغرب واحد.. مسار واحد لجميع المغاربة» أكثر من عنوان انتخابي؛ فهو يلخص تصور الحزب لمرحلة يريدها موحدة في مستوى الخدمات والفرص، وأقل تفاوتاً بين المدن والقرى وبين الجهات.
غير أن الاختبار الحقيقي لهذا البرنامج لن يكون في الندوات الصحفية ولا في الحملات الانتخابية، وإنما في قدرته، إذا حاز الحزب ثقة الناخبين، على الانتقال من الأرقام والتعهدات إلى سياسات عمومية قابلة للتمويل والتنفيذ والقياس.
وفي هذا الجانب تحديداً، وضع محمد شوكي وحزبه نفسيهما أمام سقف مرتفع من الالتزامات: حماية ملايين الأسر، تحسين الخدمات العمومية، رفع الأجور، تطوير الصحة والتعليم، إحداث مليون منصب شغل، حماية العمال الموسميين، وتمويل المشاريع دون فوائد.
إنها، في النهاية، معركة الأحرار الجديدة: ليس فقط إقناع المغاربة بما تحقق، وإنما إقناعهم بأن «مسار المستقبل» الذي يقترحه الحزب قادر على تحويل الدولة الاجتماعية من ورش إصلاحي كبير إلى واقع يومي يلمسه المواطن في دخله، ومدرسته، ومستشفاه، وماء منزله، وفرصة عمله.






