حين يتجاوز الطالبي العلمي حدود السياسة: سقطة كبيرة تضع مساره السياسي أمام امتحان المؤسسات

لقجع ليس القضية.. القضية حين يتحدث رئيس مجلس النواب وكأن وزارة المالية تُحجز داخل اجتماع حزبي.
الرباط – فاس24
لم يعد التسجيل الصوتي المتداول والمنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، مجرد تسريب من داخل اجتماع حزبي، بعدما كشف مضمون مداخلته عن خطاب سياسي يثير أسئلة ثقيلة حول حدود العلاقة بين العمل الحزبي والمؤسسات الدستورية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بتوزيع الحقائب الوزارية قبل أن تقول صناديق الاقتراع كلمتها.
وبحسب ما أوردته مصادر متطابقة، تحدث الطالبي العلمي خلال اجتماع المكتب السياسي للحزب عن التحركات السياسية الأخيرة وانتقال عدد من المنتخبين والبرلمانيين، قبل أن يوجه انتقادات إلى فوزي لقجع، الذي أصبح اسمه حاضراً بقوة في المشهد السياسي بعد التحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة. غير أن ما جعل التسجيل يتجاوز حدود المناوشة السياسية هو حديثه، وفق المضمون المتداول، عن حقيبة الاقتصاد والمالية، بلهجة توحي بأن الباب مغلق أمام لقجع، وأن استمرار نادية فتاح في الوزارة محسوم سلفاً.
هنا تحديداً لا تعود القضية قضية لقجع.
فمن حق أي حزب أن يدافع عن مصالحه، ومن حق أي قيادي أن ينتقد خصومه وأن يرفض انتقال المنتخبين إلى أحزاب منافسة. لكن أن يتحدث رئيس مجلس النواب عن وزير محتمل، وعن حقيبة حكومية لم تُفتح مفاوضاتها أصلاً، وكأن قرار الاستوزار قد حُسم داخل اجتماع حزبي، فذلك يضعه أمام سؤال أكبر من خلافه مع لقجع: من يقرر الحكومة المقبلة؟
فالانتخابات لم تُجر، والنتائج لم تعلن، وموازين القوى لم تتحدد، والمشاورات الحكومية لم تبدأ. ومع ذلك، يبدو من مضمون التسجيل أن معركة الحقائب قد بدأت داخل الغرف الحزبية قبل أن تبدأ معركة البرامج أمام الناخبين.
والأكثر إثارة أن الطالبي العلمي كان يتحدث في السياق نفسه عن تخليق الحياة السياسية ومحاربة الترحال السياسي. وهي قضية مشروعة، لكن تخليق السياسة لا يتوقف عند منع انتقال المنتخب من حزب إلى آخر؛ بل يبدأ أيضاً من احترام حدود المؤسسات، والتمييز بين ما هو موقف حزبي وما هو قرار مؤسساتي.
فالوزارة ليست ملكاً لحزب، ولا حقيبة المالية غنيمة انتخابية، والاستوزار لا يحسمه قيادي حزبي، وإنما يخضع لمسار دستوري وسياسي معروف. وإذا كان من حق «الأحرار» أن يفضلوا استمرار نادية فتاح، فليس من حق أي طرف أن يقدم الأمر للرأي العام وكأنه قرار نهائي قبل الانتخابات وتشكيل الحكومة.
والأخطر أن المتحدث ليس مجرد مسؤول حزبي عادي، بل رئيس مجلس النواب، وهو ما يمنح كلامه حمولة مؤسساتية لا يمكن تجاهلها. لذلك فإن الدفاع عن التسجيل بالقول إنه جاء في سياق اجتماع مغلق لا يلغي الحاجة إلى التوضيح، خصوصاً أن رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار محمد شوكي تحدث عن خطورة اقتطاع الكلام من سياقه بعد تسريب جزء من النقاش الداخلي.
أما فوزي لقجع، فليس هو جوهر القضية. يمكن الاختلاف معه، ويمكن انتقاد اختياره السياسي، ويمكن مناقشة مستقبله، لكن هذه أمور تحسمها السياسة والانتخابات والمؤسسات، لا «الفيتو» الصادر من اجتماع حزبي.
ما حدث قد يكون مجرد سقطة في لحظة انفعال، وقد يكون كلاماً اقتُطع من سياقه، لكن أثره السياسي أكبر من ذلك. لأن الرجل الذي يقف على رأس المؤسسة التشريعية مطالب بأن يكون أول المدافعين عن منطق المؤسسات، لا أن يعطي الانطباع بأن بعض أبواب الحكومة يمكن إغلاقها أو فتحها داخل المكاتب السياسية.
لهذا، فإن سقطة 25 غشت لا تضع لقجع أمام الامتحان، بقدر ما تضع الطالبي العلمي نفسه أمام امتحان سياسي وأخلاقي ومؤسساتي صعب؛ فبعد سنوات طويلة في واجهة المشهد، قد تكون هذه واحدة من تلك اللحظات التي لا تُقاس فيها خطورة الكلام بما قيل عن الخصم، وإنما بما كشفه الكلام عن صاحبه وموقعه وفهمه لحدود السلطة.
وفي النهاية، تبقى الانتخابات أولاً، والنتائج ثانياً، والمشاورات ثالثاً، والمؤسسات فوق الجميع. أما حجز الوزارات قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع، فليس سياسة دولة، بل مجرد حسابات حزبية سابقة لأوانها.






