ثقافة

رسوم التكوين الجامعي بالتوقيت الميسر تشعل الجدل.. رؤساء الجامعات يخرجون عن صمتهم ويحسمون في علاقة الأداء بمبدأ المجانية

منتدى رؤساء الجامعات يوضح: لا مساس بمجانية التعليم العادي.. والرسوم تخص صيغة موجهة للموظفين والأجراء والمهنيين

خرج منتدى رؤساء الجامعات المغربية عن صمته لوضع حد للجدل الذي رافق خلال الأسابيع الأخيرة موضوع واجبات التسجيل المفروضة على الموظفين والأجراء والمهنيين الراغبين في متابعة دراستهم الجامعية ضمن التكوين بالتوقيت الميسر، مؤكداً أن هذه الرسوم لا تمس، بأي شكل من الأشكال، بمبدأ مجانية التكوين الجامعي بالتوقيت العادي، وأن تنظيم هذا النوع من التكوين وتحديد شروط الاستفادة منه يدخل ضمن الاختصاصات القانونية المخولة للجامعات باعتبارها مؤسسات عمومية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال البيداغوجي والعلمي والمالي.

ويأتي هذا التوضيح في سياق نقاش واسع أثارته رسوم التسجيل التي فرضتها عدد من مؤسسات التعليم العالي على الموظفين والأجراء الراغبين في استئناف دراستهم أو تطوير مسارهم الأكاديمي بالتوازي مع التزاماتهم المهنية، حيث اعتبر عدد من المتابعين أن فرض رسوم على الدراسة الجامعية يطرح تساؤلات حول مبدأ مجانية التعليم، بينما تؤكد الجامعات أن الأمر يتعلق بصيغة تكوين مختلفة عن المسار الجامعي النظامي، لها طبيعة وشروط وتنظيم خاص، ولا ينبغي الخلط بينها وبين التكوين المجاني الموجه للطلبة المسجلين بالتوقيت العادي.

الجامعات: التوقيت الميسر صيغة قانونية مستقلة وليست بديلاً عن التعليم المجاني

أكد المنتدى أن تنظيم التكوين بالتوقيت الميسر وتحديد شروط الولوج والاستفادة منه يدخلان ضمن الصلاحيات القانونية للجامعات، مستنداً إلى مقتضيات القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، الذي يكرس للجامعات استقلاليتها البيداغوجية والعلمية والمالية، ويمنحها صلاحيات مرتبطة بتنظيم التكوينات وتدبير مواردها وفق القواعد القانونية الجاري بها العمل.

وبحسب هذا التوضيح، فإن التكوين بالتوقيت الميسر لا ينبغي تقديمه باعتباره شكلاً من أشكال المساس بمجانية التعليم الجامعي، وإنما باعتباره صيغة موازية للتكوين النظامي تستهدف فئة مختلفة من المستفيدين، وفي مقدمتهم الموظفون والأجراء والمهنيون الذين يرغبون في العودة إلى الجامعة أو مواصلة تكوينهم دون التخلي عن وظائفهم والتزاماتهم المهنية.

وتكمن أهمية هذا التمييز في أن النقاش الذي اندلع خلال الفترة الماضية خلط، في نظر الجامعات، بين مسارين مختلفين من حيث طبيعة المستفيدين والتنظيم والتمويل، وهو ما دفع المنتدى إلى التأكيد صراحة على أن الرسوم المفروضة على التكوين بالتوقيت الميسر لا تعني إلغاء مجانية الدراسة بالنسبة إلى الطلبة المسجلين في التوقيت العادي.

التعلم مدى الحياة.. الجامعة تفتح أبوابها للموظف والعامل والمهني

وتضع الجامعات هذا النوع من التكوين ضمن فلسفة أوسع تعرف بـ**”التعلم مدى الحياة”**، وهي مقاربة أصبحت تحظى بأهمية متزايدة في الأنظمة التعليمية الحديثة، بالنظر إلى التحولات السريعة التي يعرفها سوق الشغل والحاجة المستمرة إلى تطوير المهارات وإعادة التأهيل الأكاديمي والمهني.

فالموظف أو الأجير الذي أنهى دراسته قبل سنوات قد يجد نفسه اليوم أمام حاجة إلى الحصول على شهادة جديدة أو اكتساب تخصص إضافي أو تطوير مساره المهني، لكن التزاماته الوظيفية والأسرية تحول دون التحاقه بالتكوين الجامعي في صيغته العادية.

ومن هنا يأتي التوقيت الميسر باعتباره محاولة لخلق مساحة وسطى تسمح لهذه الفئات بالعودة إلى الجامعة دون التخلي عن العمل، مع إمكانية الحصول، بعد استيفاء الشروط البيداغوجية والعلمية المطلوبة، على شهادات جامعية معترف بها وطنياً.

وبذلك، ترى الجامعات أن الرسوم المرتبطة بهذه الصيغة لا ينبغي قراءتها بمعزل عن طبيعة الخدمة التعليمية المقدمة، وإنما ضمن نموذج تكويني يستهدف فئات لها وضعية مهنية قائمة وتحتاج إلى مرونة أكبر في الزمن والتنظيم.

رسوم الإجازة لم تتغير.. والماستر عرف تخفيضاً

وفي محاولة لإزالة المزيد من الالتباس، كشف المنتدى أن واجبات التسجيل في سلك الإجازة ضمن التكوين بالتوقيت الميسر لم تعرف أي تغيير مقارنة بالسنوات الماضية، في حين جرى تخفيض رسوم التسجيل الخاصة بسلك الماستر، وذلك بهدف توسيع قاعدة استفادة الموظفين والأجراء والمهنيين من هذه التكوينات.

ويحمل هذا المعطى أهمية خاصة في النقاش الدائر، لأنه يفيد بأن الرسوم لم تظهر، وفق توضيح المنتدى، كإجراء جديد يستهدف الرفع من كلفة الدراسة، بل إن بعض المستويات عرفت تخفيضاً في الواجبات المفروضة عليها.

لكن استمرار الجدل يكشف في المقابل عن حاجة الجامعات إلى مزيد من التواصل مع الرأي العام والطلبة والموظفين والأجراء، خصوصاً عندما يتعلق الأمر برسوم مالية مرتبطة بخدمة تعليمية داخل مؤسسة عمومية.

فالشفافية لا تقتصر على الإعلان عن قيمة الرسوم، وإنما تشمل أيضاً شرح طبيعة التكوين، وكيفية احتساب الكلفة، والجهة التي تستفيد من الموارد، والنتائج التي يحصل عليها المستفيد مقابل ما يؤديه.

الدكتوراه حالة مختلفة.. والبحث العلمي وراء ارتفاع الكلفة

أما سلك الدكتوراه، فقد قدم المنتدى توضيحاً خاصاً بشأنه، مؤكداً أن طبيعة هذا التكوين تختلف عن باقي الأسلاك الجامعية، باعتبار أن الدكتوراه تقوم أساساً على البحث العلمي والتأطير الأكاديمي، وتحتاج إلى تعبئة موارد بشرية وبنيات بحثية وتجهيزات ومختبرات ومواكبة علمية مستمرة.

وهذه الخصوصية، بحسب المنتدى، تؤخذ بعين الاعتبار عند تحديد واجبات التسجيل، خصوصاً أن مسار الدكتوراه لا يقوم فقط على حضور دروس داخل قاعة، وإنما يتطلب عملاً بحثياً وتأطيراً علمياً ومتابعة من طرف الأساتذة الباحثين، إلى جانب استعمال عدد من البنيات والتجهيزات العلمية.

وهنا حاول المنتدى تقديم تفسير لطبيعة الرسوم، في وقت يطالب فيه عدد من الراغبين في متابعة الدراسة الجامعية بمزيد من الوضوح بشأن المقابل الذي يحصلون عليه مقابل هذه المبالغ.

أين تذهب أموال الرسوم؟.. الجامعات تكشف توزيع المداخيل

ومن أبرز المعطيات التي تضمنها البلاغ التوضيحي الكشف عن طريقة توزيع المداخيل المتحصلة من هذه الرسوم، إذ أوضح المنتدى أن 40 في المائة منها تخصص لميزانية التسيير أو الاستثمار، بينما توجه 60 في المائة إلى دعم البحث العلمي وتعويض الأساتذة الباحثين، وذلك بعد استكمال عمليات التأطير والتتبع ومناقشة الأطروحات.

ويكتسي هذا التوضيح أهمية كبيرة، لأنه ينقل النقاش من سؤال “لماذا تؤدى الرسوم؟” إلى سؤال أكثر دقة يتعلق بـكيفية تدبير الموارد المحصلة منها والجهات المستفيدة منها.

فالجامعة، وفق المعطيات المقدمة، لا تعتبر هذه الرسوم مورداً مالياً مجرداً، وإنما توزع جزءاً كبيراً منها على البحث العلمي والتأطير الأكاديمي، في حين يوجه الجزء الآخر إلى التسيير والاستثمار.

ومع ذلك، فإن استمرار النقاش المجتمعي حول هذا الموضوع يفرض على الجامعات مواصلة نشر المعطيات المتعلقة بهذا النوع من التكوين بشكل واضح ومبسط، حتى يتمكن الموظف أو الأجير المقبل على التسجيل من معرفة ما يؤديه، ولماذا يؤديه، وما الذي يحصل عليه في المقابل.

إعفاء ذوي الدخل المحدود.. الجامعة تستحضر البعد الاجتماعي

وفي محاولة للتأكيد على عدم تجاهل الجانب الاجتماعي، ذكّر منتدى رؤساء الجامعات ببلاغ سابق صادر في 13 دجنبر 2025، تضمن إعفاء الموظفين والأجراء الذين لا يتجاوز دخلهم الشهري الحد الأدنى للأجور من أداء واجبات التسجيل.

كما أكد أن الجامعات تأخذ بعين الاعتبار الوضعيات الاجتماعية للمستفيدين، من خلال توفير تسهيلات في أداء الرسوم.

ويعكس هذا الإجراء رغبة في التمييز بين الموظف أو الأجير ذي الدخل المرتفع وبين الفئات ذات الموارد المحدودة، حتى لا يتحول التكوين بالتوقيت الميسر إلى مسار يصعب الولوج إليه بالنسبة إلى الموظفين ذوي الأجور الضعيفة.

غير أن هذا الجانب الاجتماعي يظل بدوره بحاجة إلى مزيد من التواصل، لأن الاستفادة الفعلية من الإعفاءات والتسهيلات تقتضي أن تكون شروطها واضحة ومعلنة بشكل لا يترك مجالاً للالتباس أو التأويل.

لا رجعية في القواعد.. والجامعات تتعهد باحترام الحقوق المكتسبة

وشدد المنتدى في بلاغه على التزام الجامعات باحترام القوانين الجاري بها العمل وصون الحقوق المكتسبة، مع التأكيد على مبدأ عدم رجعية القواعد القانونية.

ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة في ظل النقاش حول الطلبة والموظفين الذين سبق لهم التسجيل في صيغ معينة من التكوين، حيث يصبح الاستقرار القانوني ووضوح القواعد من العناصر الأساسية لضمان الثقة بين الجامعة والمستفيدين.

فالطالب أو الموظف الذي يسجل في تكوين جامعي يحتاج إلى معرفة الشروط المالية والبيداغوجية والقانونية التي ستؤطر مساره منذ البداية، كما يحتاج إلى ضمان عدم تغيير قواعد اللعبة بشكل مفاجئ خلال مساره الدراسي.

ومن هنا فإن تأكيد المنتدى على حماية الحقوق المكتسبة يمثل رسالة موجهة إلى جميع المستفيدين من التكوين بالتوقيت الميسر، مفادها أن الجامعات مطالبة بالعمل ضمن الإطار القانوني واحترام القواعد التي تحكم العلاقة بينها وبين المسجلين.

الجدل مستمر.. والجامعات مطالبة بالمزيد من الشفافية

ورغم التوضيحات التي قدمها منتدى رؤساء الجامعات، فإن النقاش حول رسوم التكوين بالتوقيت الميسر مرشح للاستمرار، خصوصاً أن الموضوع يرتبط بمسألة حساسة هي تمويل التعليم العالي وحدود مجانية الجامعة.

فالجامعات تقول إن الأمر لا يتعلق بالمساس بالمجانية، وإنما بصيغة تكوين خاصة تستهدف الموظفين والأجراء والمهنيين، بينما ينظر بعض المعنيين إلى الرسوم من زاوية أوسع، باعتبار أن الجامعة العمومية يجب أن تظل مفتوحة أمام الراغبين في استكمال تعليمهم.

وبين الموقفين، تبدو الحاجة ملحة إلى نقاش مؤسساتي هادئ يحدد بشكل واضح الفاصل بين التكوين النظامي المجاني والتكوين المستمر أو بالتوقيت الميسر، ويضمن في الوقت نفسه ألا تتحول الرسوم إلى عائق أمام الفئات الاجتماعية التي تسعى إلى تحسين مستواها العلمي والمهني.

المطلوب ليس فقط تبرير الرسوم.. بل ضمان جودة التكوين

إذا كانت الجامعات تتمسك بحقها القانوني في تنظيم التكوين بالتوقيت الميسر وفرض واجبات التسجيل، فإن ذلك يضعها في المقابل أمام مسؤولية أخرى لا تقل أهمية، وهي ضمان جودة التكوين ومردوديته.

الموظف أو الأجير الذي يؤدي رسوماً من أجل استكمال دراسته ينتظر تكويناً يوازي ما يدفعه من حيث الجودة، والتأطير، والمحتوى العلمي، وظروف الدراسة، والمرونة في الزمن، والخدمات الجامعية، وقيمة الشهادة في مساره المهني.

ولهذا فإن نجاح تجربة التوقيت الميسر لن يقاس فقط بعدد المسجلين أو بحجم المداخيل، وإنما بمدى قدرتها على إنتاج تكوين جامعي جدي وذي قيمة، يساهم في رفع كفاءة الموارد البشرية ويمنح الموظفين والأجراء فرصة حقيقية للارتقاء العلمي والمهني.

توضيح الجامعات يحسم جانباً من الجدل ويفتح نقاشاً أكبر

يحاول منتدى رؤساء الجامعات من خلال بلاغه الجديد وضع حد للخلط الذي رافق موضوع رسوم التسجيل، مؤكداً أن التكوين بالتوقيت الميسر صيغة قانونية مستقلة، وأن الرسوم المرتبطة بها لا تمس مجانية التكوين الجامعي بالتوقيت العادي، كما قدم معطيات حول قيمة الرسوم وتطورها وتوزيع المداخيل والإعفاءات الاجتماعية المقررة لفائدة بعض الفئات.

لكن هذا التوضيح، بدل أن يغلق النقاش بالكامل، يمكن أن يكون مدخلاً لنقاش أوسع حول مستقبل تمويل التعليم العالي بالمغرب، وكيفية تحقيق التوازن بين استقلالية الجامعات وحق المواطنين في الولوج إلى التعليم، وبين الحاجة إلى موارد إضافية لتطوير البحث العلمي وضمان جودة التكوين.

وفي نهاية المطاف، فإن المطلوب ليس فقط الدفاع عن مشروعية الرسوم أو رفضها، وإنما بناء منظومة واضحة وشفافة يعرف فيها الموظف والأجير والمهني لماذا يؤدي، وكم يؤدي، وماذا يحصل في المقابل، مع ضمان أن تظل الجامعة العمومية فضاءً للارتقاء العلمي والاجتماعي، وأن لا تتحول الاعتبارات المالية إلى حاجز أمام من يريد استئناف مساره الدراسي.

أما رفض المنتدى لما وصفه بـ”تسييس الشأن التربوي”، فيبقى رسالة سياسية ومؤسساتية واضحة، مفادها أن الجامعات تريد تدبير التكوين بالتوقيت الميسر باعتباره قراراً بيداغوجياً يدخل ضمن اختصاصاتها. غير أن قوة هذا الموقف ستظل مرتبطة بمدى قدرة المؤسسات الجامعية على تقديم أكبر قدر من الشفافية، والوضوح، وجودة التكوين، والإنصاف الاجتماعي، وهي العناصر التي يمكن وحدها أن تحسم الجدل بعيداً عن المزايدات أو سوء الفهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى