سياسة

الداخلية تسرّع فك العزلة عن القرى.. هل بدأت مرحلة سحب المشاريع التنموية من الحسابات الانتخابية؟

في خطوة لافتة تحمل أكثر من دلالة إدارية وتنموية، باشرت وزارة الداخلية تحركات ميدانية لتسريع المصادقة على اتفاقيات الشراكة الخاصة بإنجاز وتأهيل الطرق والمسالك القروية بعدد من جهات المملكة، من بينها جهة فاس مكناس، وذلك عبر دعوة الجماعات الترابية إلى عقد دورات استثنائية في أجل لا يتجاوز عشرة أيام للمصادقة على المشاريع المبرمجة بشراكة مع المديريات الإقليمية للتجهيز والنقل.

هذا التحرك لا يندرج فقط في إطار تسريع إنجاز مشاريع فك العزلة عن العالم القروي، بل يكشف أيضاً عن إرادة واضحة لإعادة ضبط طريقة تدبير هذه الأوراش وضمان احترام المعايير التقنية والقانونية في تنزيلها، خاصة بعد تسجيل اختلالات في إنجاز بعض المشاريع خلال السنوات الماضية، ووسط تزايد الحديث عن استغلال بعض الأوراش التنموية في حسابات انتخابية ضيقة مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة.

فاس مكناس في قلب الرهان التنموي

تعتبر جهة فاس مكناس من أكثر الجهات التي تحتاج إلى مواصلة الاستثمار في البنية الطرقية القروية، بالنظر إلى اتساع مجالها الترابي ووجود أقاليم ذات طابع جبلي وقروي، مثل تاونات وصفرو وبولمان وتازة ومولاي يعقوب وأجزاء واسعة من إقليم مكناس.

ورغم المجهودات الكبيرة التي بُذلت خلال السنوات الماضية، ما تزال العديد من الدواوير تعاني من صعوبات مرتبطة بالولوج إلى الطرق المعبدة، خصوصاً خلال فترات التساقطات المطرية، حيث تتحول بعض المسالك إلى نقاط معزولة تعرقل تنقل السكان والتلاميذ والمرضى.

ولهذا فإن مشاريع بناء وصيانة الطرق القروية لا تمثل مجرد استثمارات في البنية التحتية، بل تشكل مدخلاً أساسياً لتحقيق العدالة المجالية وتحسين شروط العيش بالعالم القروي ومحاربة الهدر المدرسي وتسهيل الولوج إلى الخدمات الصحية والإدارية.

لماذا تتدخل الداخلية اليوم؟

المعطيات الواردة تفيد بأن وزارة الداخلية لم تكتف بالدعوة إلى تسريع المشاريع، بل شددت أيضاً على ضرورة احترام الإطار القانوني المنظم لهذه الأوراش وتفادي التداخل بين اختصاصات الجماعات الترابية والمصالح التابعة للدولة.

كما أن التنبيه إلى ضرورة تفادي البرمجة المزدوجة للمشاريع يكشف وجود اختلالات سابقة أدت في بعض الحالات إلى تكرار البرمجة أو تعطيل الإنجاز أو هدر الوقت والموارد المالية.

والأهم من ذلك أن الحديث عن افتحاصات شاملة لبرامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية يبعث برسالة واضحة مفادها أن الدولة تتجه نحو تقييم دقيق لكيفية صرف مليارات الدراهم التي رُصدت خلال السنوات الأخيرة لفك العزلة وتحسين البنيات التحتية بالعالم القروي.

حين تتحول المشاريع إلى أوراق انتخابية

المشكل الذي ظل يثير الكثير من الجدل في عدد من الجماعات الترابية لا يتعلق فقط بضعف الإنجاز أو التأخر في التنفيذ، بل أيضاً بطريقة توزيع بعض المشاريع.

ففي عدد من المناطق، تتكرر شكاوى الساكنة من غياب معايير واضحة في ترتيب الأولويات، حيث تثار تساؤلات حول أسباب استفادة بعض الدواوير والمناطق من مشاريع متكررة، في حين تظل مناطق أخرى تنتظر لسنوات طويلة رغم حاجتها الملحة إلى التدخل.

كما أن اقتراب أي محطة انتخابية غالباً ما يعيد إلى الواجهة النقاش حول استغلال بعض المنتخبين للمشاريع العمومية في تعزيز حضورهم السياسي، عبر تقديم أوراش ممولة من المال العام وكأنها إنجازات شخصية أو هبات انتخابية.

هذا الواقع يطرح إشكالية حقيقية تتعلق بضرورة الفصل بين التنمية والسياسة الانتخابية، لأن الطرق والمسالك والمنشآت الأساسية ليست ملكاً لأي منتخب أو حزب، بل هي حقوق للمواطنين تمول من المال العام.

الحاجة إلى نموذج جديد في التنفيذ

ما كشفته السنوات الماضية هو أن عدداً من المشاريع التي أشرفت عليها بعض الجماعات عرفت تعثراً أو اختلالات تقنية أو تأخراً في الإنجاز، ما دفع السلطات إلى تعزيز دور المديريات الإقليمية للتجهيز والنقل في المواكبة التقنية.

لكن عدداً من المتتبعين يرون أن المرحلة المقبلة تستوجب الذهاب أبعد من ذلك، عبر إسناد تنفيذ المشاريع الكبرى إلى الشركات الجهوية للتنمية المحلية باعتبارها الذراع التنفيذي المؤسساتي القادر على ضمان الجودة والسرعة والشفافية.

فهذه الشركات تتوفر على أطر تقنية وهندسية متخصصة، وتشتغل وفق منطق النجاعة التدبيرية بعيداً عن الحسابات الانتخابية التي قد تؤثر أحياناً على تحديد الأولويات أو على مسار الإنجاز.

كما أن إسناد التنفيذ إلى مؤسسات متخصصة من شأنه أن يضمن توحيد المعايير التقنية وتحسين جودة الأشغال وتفادي عدد من الاختلالات التي كشفتها تقارير التتبع الميداني خلال السنوات الماضية.

مليارات الدراهم تستوجب المحاسبة

الأرقام الرسمية تتحدث عن استفادة أكثر من 17 مليون مواطن من مشاريع فك العزلة، وإنجاز ما يقارب 26 ألف كيلومتر من الطرق والمسالك القروية، وهي أرقام مهمة تعكس حجم الاستثمارات التي تم ضخها في هذا الورش الوطني.

غير أن حجم الاعتمادات المالية المرصودة يفرض في المقابل تقييماً صارماً لمدى نجاعة هذه المشاريع وأثرها الحقيقي على حياة المواطنين.

فالمطلوب اليوم ليس فقط الإعلان عن عدد الكيلومترات المنجزة، بل قياس مدى انعكاس هذه المشاريع على تحسين شروط العيش وتقليص الفوارق المجالية وخلق فرص التنمية داخل العالم القروي.

فاس مكناس تنتظر عدالة مجالية حقيقية

في جهة فاس مكناس، كما في باقي جهات المملكة، ينتظر المواطن القروي أن تصل التنمية إلى الدواوير النائية بنفس الوتيرة التي تصل بها إلى المراكز الحضرية.

فالساكنة لا تطالب بالمستحيل، بل بحقها في طريق آمنة، ومسلك صالح للاستعمال، وربط حقيقي بين القرى ومراكز الخدمات.

ومن هنا تكتسي الخطوة التي أقدمت عليها وزارة الداخلية أهمية خاصة، لأنها قد تشكل بداية مرحلة جديدة عنوانها تسريع الإنجاز وإخضاع المشاريع للرقابة والافتحاص وحمايتها من أي توظيف انتخابي محتمل.

التنمية ليست حملة انتخابية

إن مشاريع فك العزلة يجب أن تبقى مشاريع دولة قبل كل شيء، وأن تُنجز وفق معايير الحاجة والعدالة المجالية وليس وفق حسابات الأصوات الانتخابية أو موازين النفوذ المحلي.

فالتنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد اللافتات التي تُرفع عند تدشين المشاريع، بل بمدى استفادة المواطنين منها، وبقدرتها على تحسين حياتهم اليومية.

ولذلك فإن تعزيز دور السلطات الترابية والمؤسسات التقنية والشركات الجهوية للتنمية المحلية في تنفيذ وتتبع هذه المشاريع قد يكون المدخل الأنسب لضمان الشفافية والنجاعة وحماية المال العام، حتى تصل الطرق والمسالك إلى كل قرية وكل دوار، بعيداً عن الزبونية والمحسوبية والحسابات السياسية الضيقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى