فاس المختبر التنموي المفتوح: كيف يعيد الوالي “آيت طالب و الذراع التنفيذي للمشاريع” فاس الجهة للتهيئة” هندسة العاصمة الروحية وفق الرؤية الملكية لمدن المونديال؟

الفجر الحَضَري الجديد لـ “حاضرة الأدارسة”
لم تعد العاصمة الروحية للمملكة المغربية، مدينة فاس، تكتفي باجترار بريق ماضيها التاريخي وتراثها الإنساني اللامادي؛ بل إنها تعيش اليوم، وبأمر واقع يفرضه لا صوت يعلو فوق صوت الجرافات والآليات الممتدة في كل الفضاءات الحضرية، تحولاً جذرياً ونوعياً يُعيد رسم جغرافيتها الاقتصادية والاجتماعية والرياضية. إنها أوراش القرن المفتوحة على مدار الساعة، والتي تتجاوز منطق الترقيع الحَضَري لتؤسس لمفهوم “المختبر التنموي المفتوح”.
هذه الطفرة الكبرى ليست وليدة الصدفة، بل تأتي تنفيذاً صارماً وبأعلى درجات المسؤولية للتوجيهات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الرامية إلى تأهيل وعصرنة الحواضر المغربية المستضيفة لنهائيات كأس العالم 2030 وكأس أمم إفريقيا. وفي قلب هذه الملحمة التنفيذية، برزت رؤية استراتيجية واضحة المعالم يقودها ميدانياً والي جهة فاس-مكناس، خالد آيت طالب، مدعوماً بالذراع التنفيذي الهندسي الأكثر ديناميكية في المنظومة الترابية للجهة: شركة التنمية المحلية “فاس الجهة للتهيئة”.
هذا الثنائي الإداري والتقني أحدث قطيعة حقيقية مع ترهل الماضي، مستعيناً بمقاربة قوامها الحكامة التدبيرية، الجودة الصارمة، والتتبع اللصيق لكل سنتيمتر مربع من الأشغال، بهدف تغيير الصورة النمطية لمدينة فاس وتقديم وثيقة حَضَرية متكاملة لساكنتها وزوارها مع بداية الدخول الاجتماعي والمدرسي القادم (سبتمبر 2026).
1. المخطط الطرقي المداري وتسييل حركة المرور: الشرايين الحيوية للمدينة الجديدة
المحور المداري الجديد (عين الشقف – بنسودة):
يُمثل هذا المشروع الورش الظهراني لشبكة الطرق الحالية بفاس؛ حيث يمتد ليربط بين القطبين السكنيين والاقتصاديين الصاعدين: عين الشقف وبنسودة. من الناحية التقنية، لا يستهدف هذا المحور فقط توفير مسارات إسفلتية جديدة، بل يشتغل كـ “مصفاة حَضَرية” لتوجيه حركة السير الكثيفة وشاحنات الوزن الثقيل بعيداً عن عمق المدينة المزدحم. الأشغال الجارية حالياً تشمل تثنية الطريق، إحداث مدارات دائرية بمواصفات هندسية تمنع التكدس، وتجهيز المحور بالإنارة العمومية الذكية (LED) وممرات خاصة بالراجلين والدرجات، مما سيسهم في خفض زمن الرحلة بين القطبين بنسبة تتجاوز 40%.
إعادة هيكلة شارع المرينيين:
يعد شارع المرينيين أحد المعالم الشريانية التاريخية والرابطة بالمدينة، ولكنه ظل لسنوات يعاني من تآكل البنية التحتية وضغط السير المرتفع. يدخل الشارع حالياً مرحلة إعادة تهيئة شاملة تقودها شركة “فاس الجهة للتهيئة”، وتشمل قشط الإسفلت القديم، وتجديد شبكات التطهير السائل وتصريف مياه الأمطار تحت أرضياً لتفادي الفيضانات الموسمية، وتوسيع الرصيف مع اعتماد منظومة تشجير موحدة تضفي جمالية حَضَرية تليق بهوية فاس الحاضرة.
2. الثورة الرياضية: من العصرنة البنيوية إلى مأسسة التدبير
مشروع “أرينا فاس” (Arena Fès):
في إطار الرؤية المونديالية، انطلقت الأشغال الكبرى لبناء الصرح الرياضي “أرينا فاس” بطريق إيموزار. هذا المشروع صُمم ليكون قاعة مغطاة متعددة التخصصات والخدمات بمواصفات الاتحاد الدولي (FIBA / FIFA). الطاقة الاستيعابية المرتقبة للمشروع تصل إلى 6000 مقعد، ويتميز بمرونة هندسية تتيح له استضافة مباريات كرة السلة، كرة اليد، الفوتسال، والرياضات القتالية، بالإضافة إلى التظاهرات الفنية الكبرى. المشروع يضم مرافق متطورة للإعلاميين، وغرف تبديل ملابس ذكية، ومراكز طبية رياضية متقدمة.
انبعاث قاعة 11 يناير:
لم تَعُد قاعة 11 يناير مجرد جدران إسمنتية من الماضي؛ فقد خضعت لورش تأهيل بنيوي وتجميلي شامل مس كل مرافقها من أرضية خشبية معتمدة دولياً، وأنظمة إنارة رقمية، وشاشات عرض متطورة. و كراسي مريحة، وثمرة هذا التأهيل السريع والناجع ظهرت ميدانياً السبت المنصرم، حيث اهتزت مدرجات القاعة العريقة باحتضانها لمباراة حارقة ومثيرة في كرة السلة لفريق المغرب الفاسي (MAS)، وسط تنظيم محكم أبان عن جاهزية المدينة لاحتضان الأنشطة الرياضية الجماهيرية في أبهى حُلّة.
ملعب “الحفرة” أو “الشعبة” وبنية الملاعب المفتوحة:
تحت مجهر الوالي خالد آيت طالب، نال قطاع الرياضة القاعدية نصيب الأسد؛ فملعب “الحفرة” أو “الشعبة” الشهير، والذي ظل لسنوات مرادفاً للتهميش والتراب داخل الأحياء الشعبية، سيتحول اليوم إلى مركب رياضي للقرب مجهز بالعشب الاصطناعي من الجيل الجديد، ومحاط بسياج واقٍ وإنارة ليلية. يأتي هذا في إطار استراتيجية شاملة تهدف إلى نشر ملاعب القرب بالفضاء الطلق وبمختلف ساحات المدينة، لتمكين شباب فاس وأطفالها من ممارسة الرياضة في بيئة آمنة ومجانية، تُسهم في التنقيب عن المواهب وانتشال الناشئة من الانحراف.
مأسسة الحكامة: إحداث شركة التنمية المحلية للرياضة:
لأن البنية التحتية بدون حكامة تدبيرية هي هدر للمال العام، جاء القرار الاستراتيجي بإحداث شركة التنمية المحلية للرياضة بفاس. هذا الكيان المؤسساتي الجديد سيتولى حصرياً إدارة، صيانة، وتسويق المنشآت الرياضية بالمدينة، وضمان ديمومتها وخضوعها لجدولة صيانة دورية صارمة، بعيداً عن التدبير العشوائي والموسمي الذي طبع العقود الماضية.
3. الفضاءات الخضراء والساحات الحضرية: الرئة البيئية والجمالية للمدينة
إعادة إحياء حديقة لالة أمينة (الرّيكس سابقاً):
تخضع حديقة “لالة أمينة” (المعروفة تاريخياً لدى الساكنة بحديقة الريكس) لعملية إعادة هيكلة بيئية وتأهيلية شاملة لتستعيد دورها كـ “رئة خضراء” لوسط المدينة وعائلاتها. الأشغال الجارية و “شركة فاس الجهة للتهيئة” تقف على كل صغيرة و كبرية و لا تأثير لحرارة الشمس عن ضجيج الجرافات، و تصميم هندسي متطور و من الجيل الجديد يرتكز على الحفاظ على الأشجار المعمرة، وإعادة غرس مساحات عشبية واسعة مجهزة بأنظمة سقي اقتصادي (مياه معالجة)، وإحداث نافورات مائية عصرية، ومسارات مخصصة للمشي والجري، فضلاً عن فضاءات ألعاب تفاعلية مخصصة للأطفال ومجهزة بمعايير سلامة دولية.
تهيئة ساحة الأطلس (قرب محطة ستيام CTM):
تعتبر ساحة الأطلس البوابة الحَضَرية لوسط المدينة للقادمين عبر محاور النقل الطرقي؛ لذا شملتها خطة الهندسة الجديدة للوالي آيت طالب وشركة فاس الجهة للتهيئة. الورش الجاري يستهدف إعادة تنظيم الساحة بالكامل: توسيع المدار الطرقي لتخفيف الضغط الناجم عن حافلات النقل الطرقي والسيارات، إعادة تبلير الأرضية باستخدام الرخام والخرسانة المطبوعة المقاومة، تزويد الساحة بأعمدة إنارة فنية، وخلق فضاء ترفيهي مفتوح يليق بجمالية المحور التجاري للأطلس.
4. الأسواق التاريخية والمنشآت الاقتصادية القادمة
تحديث السوق المركزي (مارشي سنطرال):
يدخل “المارشي سنطرال” التاريخي بوسط المدينة مرحلة تأهيل شاملة وعميقة تستهدف تحديث بنية العرض التجاري مع الحفاظ على طابعه المعماري الأصيل. الأشغال تشمل بناء طابقين تحت أرضي لوقوف السيارات لسعة تصل الى أكثر من 250 عربة،و بناء سوق مركزي بالطابق الأرضي و إضافة الطابق الأول للمطاعم و المقاهي،لتكون تجربة جديدة للتسوق و خاصة لزوار كأس العالم 2030، توحيد واجهات المحلات التجارية و الحفاظ على الهندسة الأصيلة لآسوار و أبواب فاس العريقة، واعتماد معايير صارمة للصحة والسلامة الغذائية، مما سيحول هذا المرفق الاقتصادي إلى مزار سياحي وتجاري منظم بامتياز.
الأوراش المستقبلية المنتظرة:
تؤكد مصادر إدارية متطابقة أن فاس على موعد – في القريب العاجل – مع انطلاق حزمة مشاريع كبرى ستغير وجه المدينة بالكامل؛ وفي مقدمتها محطة عصرية جديدة للنقل الطرقي للمسافرين بمواصفات لوجستيكية دولية تعوض المحطة الحالية، إلى جانب أوراش ضخمة تهم إعادة تهيئة ساحات تاريخية وجديدة وتوسيع شوارع كبرى لتستوعب التمدد السكاني والسياحي للمدينة.
5. البعد الاجتماعي المستعجل: المسابح العمومية والتدبير الاحترافي
تزامناً مع دخول فصل الصيف والارتفاع الكبير في درجات الحرارة التي تميز مناخ العاصمة الروحية، سارعت مصالح ولاية الجهة، وبتعليمات شخصية وميدانية من الوالي، إلى تسريع وتيرة إنهاء الأشغال بـ المسابح العمومية للأطفال والشباب بمختلف مقاطعات المدينة (المرينيين، سايس، زواغة، جنان الورد، وفاس المدينة).
وفي خطوة رائدة تعد الأولى من نوعها في تاريخ التدبير المحلي بفاس، وتفعيلاً لمبدأ ربط المسؤولية بالاختصاص، تم تفويت تدبير هذه المسابح العمومية لعصبة جهة فاس-مكناس للسباحة. هذا القرار الاستراتيجي ينهي عهد “التدبير العشوائي والمحسوبية”، ويضمن إشراف أطر تقنية، رياضية، ومسعفين محترفين على هذه المنشآت، مما يوفر بيئة ترفيهية آمنة ونظيفة لأبناء الفئات الهشة، ويقطع الطريق أمام “مسابح الموت” في الوديان والقنوات المائية غير الآمنة.
6. سر النجاح الميداني: مقاربة الوالي الصارمة وحكامة “فاس الجهة للتهيئة”
إن هذه اللوحة التنموية المتكاملة ما كان لها أن ترسم تفاصيلها على أرض الواقع وبلوغ هذه النسب المتقدمة من الإنجاز، لولا المقاربة الإدارية والميدانية الصارمة التي نهجها الوالي خالد آيت طالب منذ توليه المسؤولية بجهة فاس-مكناس؛ فالوالي لا يؤمن بالتقارير المكتبية الجاهزة، بل يقود بنفسه زيارات تفقدية مفاجئة وميدانية دورية ليل نهار لمختلف الأوراش المفتوحة، يقف خلالها على أدق التفاصيل التقنية ويسائل المقاولين والمهندسين شخصياً.
وفي الجانب التنفيذي، أثبتت شركة “فاس الجهة للتهيئة” أنها الذراع الميداني الكفء القادر على ترجمة الرؤية السياسية والملكية إلى واقع ملموس؛ حيث تتبنى الشركة دفتراً تحميلياً صارماً يرتكز على:
-
المراقبة اللصيقة والميدانية: تتبع جودة المواد المستعملة (الخرسانة، الزفت، شبكات التطهير) للتأكد من مطابقتها للمواصفات الدولية.
-
احترام الغلاف الزمني: فرض عقوبات ذعيرية صارمة على الشركات والمقاولات المتهاونة في احترام آجال التسليم، مما جعل وتيرة العمل تستمر حتى في الفترات الليلية وأيام العطل.
-
الحكامة المالية: عقلنة النفقات وإخضاع كل الصفقات العمومية للشفافية و لآليات افتحاص وتدقيق شفافة تضمن تحقيق أعلى جودة بأفضل تكلفة.
سبتمبر 2026.. وجه فاس الجديد
تؤكد كل المؤشرات الميدانية والتقنية أن مدينة فاس لن تكون بعد انقضاء هذا الصيف كما كانت قبله؛ فالأشغال الجارية على قدم وساق وبدون توقف، تَعِد الساكنة والزوار على حد سواء بـ انعطافة حَضَرية كبرى مع بداية الدخول المدرسي والاجتماعي القادم.
سيكتشف الفاسي والزائر هُوية بصرية جديدة للحاضرة؛ شوارع فسيحة بدون اختناق، ساحات عمومية عصرية بالرخام والإنارة الفنية، فضاءات خضراء ترفيهية تنبض بالحياة، ومرافق رياضية بمستويات مونديالية تليق بمغرب القرن الحادي والعشرين. إنها الدينامية التي تسقط الصورة النمطية القديمة عن فاس لتعيدها إلى سكة الريادة والجاذبية الاستثمارية، كمدينة تجمع بين عراقة التاريخ وتحديات المستقبل.






