«انبثاق الروح من المادة.. من السماء إلى الأرض» يفتتح الدورة الـ29 لمهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة في احتفاء استثنائي بالمعلمين وحراس التراث

تستعد مدينة فاس، العاصمة الروحية والثقافية للمملكة، مساء الخميس 4 يونيو 2026، لاحتضان حفل الافتتاح الرسمي للدورة التاسعة والعشرين من مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة، من خلال عرض فني وكوريغرافي غير مسبوق يحمل عنوان «انبثاق الروح من المادة.. من السماء إلى الأرض»، وذلك بفضاء باب الماكينة التاريخي، في لحظة احتفالية تحتفي بالإنسان المبدع وبالقيمة الروحية للحرفة التقليدية.
ويأتي هذا العمل الافتتاحي الضخم منسجما مع شعار دورة هذه السنة «فاس والمعلمون.. حماة الصنعة والتراث»، الذي اختارته مؤسسة «روح فاس» تكريما للمعلمين الحرفيين الذين ساهموا عبر قرون في تشييد المعالم العمرانية الخالدة وصون الهوية الحضارية للمغرب ونقل أسرار الحرف التقليدية للأجيال المتعاقبة.
ويعد العرض بمثابة رحلة شعرية وبصرية بين السماء والأرض، تستحضر العناصر الأربعة المؤسسة للكون؛ الماء والهواء والنار والتراب، وتعيد إحياء العلاقة المقدسة التي تربط الإنسان بالمادة الخام قبل أن يحولها بلمسته الفنية إلى تحف تنبض بالجمال والروح. فوسط أجواء من الضوء والموسيقى والحركة، تتحول ورشات الصناع التقليديين إلى فضاءات أسطورية، حيث يصبح الفرن والنار والإزميل ودولاب الخزاف أدوات لإعادة تشكيل العالم وصناعة الجمال.
احتفاء عالمي بالمعلم الحرفي
ويضع هذا العمل الفني المعلم الحرفي في قلب المشهد، باعتباره حارسا للذاكرة الجماعية وصانعا للهوية الثقافية. فمن دباغي الجلود الذين اشتهرت بهم فاس منذ قرون، إلى النساجين والخرازين والنحاسين والنجارين والزلايجية، يستحضر العرض مسارات الإبداع الإنساني التي عبرت الحضارات والقارات، مؤكدا أن الحرفة ليست مجرد مهنة، بل رؤية للعالم وحوار دائم بين المادة والروح.
كما يستعيد العرض محطات تاريخية وإنسانية كبرى، من اكتشاف الحرير في الحضارة الصينية قبل آلاف السنين إلى رمزية الزليج الفاسي الذي أصبح لغة فنية عالمية، وصولا إلى حدادي الصحراء المغربية ورحلات الغجر عبر العالم، في لوحة كونية تجمع بين الثقافات والرموز والذاكرة الإنسانية المشتركة.
أكثر من 160 فنانا من مختلف أنحاء العالم
وتشهد الدورة التاسعة والعشرون للمهرجان مشاركة أزيد من 160 فنانا ومبدعا من المغرب ومختلف دول العالم، من آسيا الوسطى والهند والصين والبلقان وكمبوديا وغيرها، في برنامج فني وروحي يمتد من 4 إلى 7 يونيو الجاري، ويشمل 18 عرضا موسيقيا وفنيا موزعة على أبرز الفضاءات التاريخية والثقافية بمدينة فاس.
وتتميز نسخة 2026 بتركيزها على إبراز مكانة المعلمين الحرفيين باعتبارهم حماة للمعرفة التقليدية وركائز للتراث اللامادي المغربي، في وقت تتسارع فيه التحولات التكنولوجية والرقمية، ما يجعل من الحفاظ على المهن والحرف العريقة رهانا حضاريا وثقافيا وإنسانيا.
فاس تواصل رسالتها كجسر بين الحضارات
ومنذ تأسيسه سنة 1994، رسخ مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة مكانته كواحد من أبرز المواعيد الثقافية الدولية الداعية إلى الحوار بين الحضارات والأديان والثقافات، حيث نجح في تحويل مدينة فاس إلى فضاء عالمي للقاء الروحي والفني والفكري. وقد تعزز هذا الإشعاع الدولي مؤخرا بحصول المهرجان على جائزة «العطارد المجنح» (Mercurio Alato)، إحدى أرفع الجوائز في مجال الدبلوماسية الثقافية، اعترافا بدوره في مد جسور التواصل بين الشعوب عبر الفن والموسيقى.
وبافتتاحه دورة 2026 بهذا العمل الاستثنائي، يؤكد مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة مرة أخرى أن الحرفة التقليدية ليست مجرد إرث من الماضي، بل طاقة متجددة لصناعة المستقبل، وأن المعلم الحرفي يظل شاهدا على عبقرية الإنسان وقدرته على تحويل المادة إلى روح، والمهارة إلى جمال، والتراث إلى رسالة كونية تتجاوز الحدود والأزمنة.






