قضايا

زلزال افتحاصي يهز مؤسسات عمومية.. “أوامر بمهمات” تحت مجهر مجلس الحسابات ومسؤولون كبار في دائرة الشبهات

تشهد عدد من المؤسسات والمقاولات العمومية بالمغرب حالة استنفار غير مسبوقة، بعد دخول قضاة المجلس الأعلى للحسابات على خط ملفات حساسة مرتبطة بتدبير التعويضات المالية ومصاريف المهام المهنية، في إطار عمليات افتحاص دقيقة طالت حسابات ومصاريف تشغيلية لعدد من المؤسسات العمومية خلال السنوات الأخيرة.

ووفق معطيات متطابقة، فقد باشر قضاة المجلس الأعلى للحسابات أبحاثاً موسعة شملت 16 مؤسسة ومقاولة عمومية وملحقات تابعة لها، مع التركيز بشكل خاص على ملفات “الأوامر بمهمات” والتعويضات المرتبطة بها، وسط شبهات بوجود اختلالات وتجاوزات في صرف أموال عمومية تحت غطاء مهام مهنية داخل المغرب وخارجه.

وتفيد المعطيات ذاتها بأن تقارير وإخباريات توصلت بها أجهزة الرقابة المالية دفعت قضاة الافتحاص إلى التدقيق في سجلات “أوامر المهمة” الخاصة بالسنتين الأخيرتين، وذلك للتحقق من مدى قانونية التعويضات المصروفة وطبيعة المهام المنجزة فعلياً، خاصة بعد رصد مؤشرات على استفادة موظفين ومسؤولين من تعويضات مالية وصفت بـ”السخية” دون مبررات مهنية واضحة أو ارتباط مباشر بالمصلحة العامة.

وكشفت مصادر مطلعة أن عمليات التدقيق الأولية أظهرت تكرار أسماء معينة ضمن لوائح المستفيدين من تعويضات التنقل والأسفار، سواء داخل الوطن أو خارجه، ما أثار شكوك المفتشين بشأن احتمال وجود شبكات امتيازات داخل بعض الإدارات العمومية، تستفيد من “الأوامر بمهمات” كآلية لصرف تعويضات خارج الضوابط القانونية والتنظيمية.

هذه التطورات خلقت، بحسب المصادر ذاتها، حالة ارتباك كبيرة داخل عدد من المؤسسات العمومية، حيث أصبح مسؤولون كبار يتفادون التوقيع على أوامر بمهمات جديدة خشية الوقوع تحت طائلة المساءلة الإدارية أو حتى القضائية، خصوصاً بعدما اتسعت دائرة التدقيق لتشمل التأشيرات والتوقيعات التي صدرت عن مسؤولين مركزيين خلال السنوات الماضية.

ولم يقتصر عمل قضاة المجلس الأعلى للحسابات على مراجعة الوثائق الإدارية فقط، بل امتد إلى افتحاص جوهري لطبيعة المهام المنجزة ومدتها وأهدافها، ومدى انسجامها مع اختصاصات المؤسسات المعنية والقوانين المنظمة للإنفاق العمومي.

وفي هذا الإطار، طلبت فرق الافتحاص من المصالح الإدارية والمالية داخل المؤسسات الخاضعة للمراقبة تزويدها بوثائق تفصيلية مرتبطة بالمهام المهنية، تشمل بيانات التنقل، وفواتير الإقامة، ووسائل النقل المستعملة، إلى جانب ما يثبت الحضور الفعلي للمستفيدين خلال فترات المهام داخل المغرب وخارجه.

كما شملت الأبحاث الجارية، وفق المعطيات المتوفرة، التنسيق مع مؤسسات وهيئات عمومية أخرى، على رأسها مكتب الصرف، من أجل التحقق من مخصصات الأسفار المهنية والتعويضات المتعلقة بالمهام المنجزة بالخارج، في خطوة تروم مطابقة المعطيات المالية والإدارية والكشف عن أي تناقضات أو شبهات تلاعب محتملة.

وتشير المصادر نفسها إلى أن بعض الإدارات العمومية واجهت صعوبات كبيرة في تقديم معطيات دقيقة وتفصيلية حول عدد من المهمات المهنية، وهو ما عزز شكوك قضاة الافتحاص بشأن احتمال وجود اختلالات مقصودة أو محاولات لإخفاء معطيات مرتبطة بتدبير المال العام.

وامتدت التحقيقات كذلك إلى مصاريف التنقل والسفر الخارجي، حيث جرى تتبع فواتير ومحاضر صرف تعويضات عن مهام مهنية بالخارج خلال السنوات الثلاث الأخيرة، مع التركيز على مدى تنفيذ هذه المهمات بشكل فعلي، ومدى احترامها للقوانين المؤطرة للإنفاق العمومي.

ووفق المعطيات الأولية المتوصل بها، فإن بعض الملفات التي تخضع حالياً للتدقيق كشفت وجود شبهات تتعلق بالتأشير على صرف تعويضات عن مهمات لم تُنجز بشكل كامل، أو ظلت ناقصة من حيث الوثائق والإثباتات، رغم تسجيلها رسمياً ضمن دفاتر المهمات، وهو ما قد يندرج ضمن شبهة تبديد المال العام واستغلال النفوذ الإداري.

ويرى متابعون أن هذه الحملة الرقابية الجديدة تعكس توجهاً متزايداً نحو تشديد المراقبة على طرق صرف المال العام داخل المؤسسات العمومية، خاصة في ما يتعلق بالتعويضات والمصاريف التشغيلية التي ظلت لسنوات تثير جدلاً واسعاً داخل تقارير الرقابة المالية والإدارية.

كما تأتي هذه التحركات في سياق تصاعد المطالب بتخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، انسجاماً مع التوجيهات الدستورية الرامية إلى تعزيز الشفافية والحكامة الجيدة داخل الإدارات والمؤسسات العمومية.

ويعيد هذا الملف إلى الواجهة الأدوار المحورية التي بات يضطلع بها المجلس الأعلى للحسابات في تتبع أوجه صرف المال العام، خاصة بعدما سبق للمجلس أن أحال، خلال الفترة الممتدة بين سنة 2024 و30 شتنبر 2025، عشرين ملفاً على الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، للاشتباه في وجود أفعال قد تكتسي طابعاً جنائياً.

وتترقب الأوساط الإدارية والسياسية ما ستكشف عنه نتائج هذه الافتحاصات خلال الأسابيع المقبلة، في وقت يتزايد فيه الحديث عن إمكانية سقوط أسماء ومسؤولين كبار في ملفات مرتبطة بسوء تدبير التعويضات واستغلال الامتيازات داخل عدد من المؤسسات العمومية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى