اقتصاد

زيت القنب الهندي بالمغرب: دراسة تكشف مفترق طرق بين المكسب الاقتصادي والتحدي البيئي

تُبرز دراسة علمية حديثة في مجال تقييم الأثر البيئي لإنتاج زيت بذور القنب الهندي بالمغرب، أن هذا القطاع الناشئ يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم بين الطموح الاقتصادي ومتطلبات الاستدامة البيئية، في ظل التحولات التي عرفها بعد تقنين بعض استعمالاته.

وتشير الدراسة إلى أن هذا التحول فتح آفاقاً اقتصادية مهمة لفائدة التعاونيات الفلاحية، خاصة في المناطق الجبلية، غير أن هذه الدينامية لم تُواكب بعد بتقييم بيئي شامل ودقيق يأخذ بعين الاعتبار الضغط على الموارد الطبيعية، وعلى رأسها المياه والتربة والطاقة، ما يفرض إعادة التفكير في نموذج الإنتاج المعتمد.

وتوضح الباحثة سعاد الحجاجي، المتخصصة في قضايا الاستدامة البيئية، أن تحقيق توازن فعلي بين تثمين الصنف المحلي المعروف بـ”البلدية” وبين إدخال التقنيات الحديثة في الإنتاج، يظل ممكناً، شريطة الاستثمار في حلول تقنية وتنظيمية دقيقة، من بينها تحسين أنظمة الري، وتطوير البحث الزراعي المرتبط بالانتقاء الوراثي، وتثمين كل مكونات سلسلة الإنتاج، بما فيها المنتجات الثانوية.

وترى الدراسة أن التعاونيات يمكن أن تلعب دوراً محورياً في بناء نموذج تنموي أخضر، إذا ما تم دعمها تقنياً واستثمارياً، بما يتيح انتقالاً تدريجياً من الإنتاج التقليدي إلى إنتاج منظم يعتمد معايير بيئية واضحة.

منهجية علمية دقيقة وتكييف مع السياق المغربي

اعتمدت الدراسة على منهجية “تحليل دورة الحياة”، وهي مقاربة علمية تقيس الأثر البيئي للمنتج عبر جميع مراحله، من الزراعة إلى التحويل والنقل والاستهلاك. وتم التركيز على مجموعة من المؤشرات الأساسية، من بينها: التغير المناخي، استنزاف الموارد الأحفورية، استهلاك المياه، تحمض التربة، التخثث، إضافة إلى السمية البشرية.

غير أن القيمة المضافة الأساسية للدراسة، بحسب الباحثين، تكمن في تكييف هذه المؤشرات مع الواقع المغربي، خصوصاً في مناطق الريف التي تعاني من إجهاد مائي متزايد وتغيرات مناخية ملموسة. لذلك تم إعطاء وزن خاص لمؤشر استهلاك المياه وكفاءة الري، مع إدماج معطيات محلية دقيقة مثل أنماط السقي، والمناخ شبه الجاف، وتنوع الممارسات الفلاحية.

كما اعتمدت الدراسة على بيانات ميدانية مباشرة، تشمل استهلاك الكهرباء، مسافات النقل، وإنتاجية البذور، بدل الاكتفاء ببيانات دولية عامة، ما جعل النتائج أكثر واقعية وقابلة للتطبيق على المستوى المحلي.

تفوق النموذج التعاوني: كفاءة ونجاعة بيئية

خلصت النتائج إلى أن النموذج التعاوني أكثر نجاعة من النموذج الحرفي التقليدي على عدة مستويات مترابطة.

فمن حيث الكفاءة الإنتاجية، أظهرت المعطيات أن التعاونيات تحتاج إلى حوالي 3 كيلوغرامات من البذور لإنتاج 1 كيلوغرام من الزيت، في حين يصل هذا الرقم في النموذج الحرفي إلى حوالي 4,4 كيلوغرام، ما يعني ضغطاً أكبر على الموارد الزراعية في الحالة التقليدية.

أما على مستوى الطاقة، فقد سجلت التعاونيات استهلاكاً أقل بكثير، في حدود 0,54 كيلوواط/ساعة لكل كيلوغرام من الزيت، مقابل 0,9 كيلوواط/ساعة في النموذج الحرفي، وهو ما ينعكس مباشرة على تقليص الانبعاثات الغازية.

كما سجلت الدراسة تفوقاً واضحاً في تدبير النفايات، حيث لا يتجاوز الفاقد في التعاونيات 0,15 كغ لكل وحدة إنتاج، مقابل 0,6 كغ في النموذج التقليدي، مع استثمار “كعكة البذور” كمادة علفية أو سماد عضوي، عوض التخلص منها.

القانون 13-21 وتحول الإطار التنظيمي

وترتبط هذه التحولات بشكل غير مباشر مع الإطار القانوني الجديد الذي أقر تنظيم استعمالات القنب الهندي في المغرب، والذي شكل منعطفاً مهماً في هيكلة القطاع.

وتوضح الدراسة أن تأثير هذا القانون كان واضحاً على المستوى التنظيمي والاجتماعي، من خلال تعزيز الحوكمة داخل التعاونيات، وإدخال أشكال جديدة من التأطير والمراقبة، غير أن تأثيره البيئي ما يزال غير مباشر ويحتاج إلى وقت أطول لتقييمه بشكل شامل.

تحديات الولوج إلى الأسواق الدولية

ورغم الإمكانات الواعدة لزيت القنب الهندي المغربي، خاصة من حيث الجودة والطابع المحلي للأصناف، إلا أن الدراسة تسجل عدداً من التحديات التي قد تعيق تموقعه في الأسواق العالمية.

في مقدمة هذه التحديات تأتي صرامة المعايير الدولية المتعلقة بالجودة والتتبع، والتي تفرض توحيداً دقيقاً لسلاسل الإنتاج. كما أن ضعف البنية اللوجستية والتسويقية يمثل عائقاً إضافياً أمام تطوير الصادرات.

إلى جانب ذلك، تظل المنافسة الدولية قوية، خصوصاً من دول سبقت المغرب في هذا المجال مثل كندا وبعض الدول الأوروبية، إضافة إلى الإكراهات المناخية المرتبطة بندرة المياه.

ومع ذلك، تشير الدراسة إلى أن المغرب يتوفر على ميزة تنافسية مهمة، تتمثل في الخصوصية الوراثية للأصناف المحلية، وعلى رأسها “البلدية”، إضافة إلى النموذج التعاوني الذي يمكن أن يشكل رافعة لتسويق منتج مستدام وذي قيمة بيئية مضافة، خاصة إذا تم دعمه بشهادات جودة وعلامات بيئية معترف بها دولياً.

توصيات عملية نحو نموذج إنتاج مستدام

وفي ختام الدراسة، تم اقتراح مجموعة من الإجراءات العملية لتفعيل مقاربة دورة الحياة على أرض الواقع، من بينها:

  • تعميم تقنيات الري الموضعي وترشيد استهلاك المياه
  • رفع الإنتاجية الفلاحية لتقليل الأثر البيئي لكل وحدة إنتاج
  • تقليص الفاقد في مراحل التحويل والتثمين
  • تثمين المنتجات الثانوية داخل سلسلة الإنتاج
  • إدماج الطاقات المتجددة داخل الوحدات التعاونية
  • تحسين التعبئة والتغليف باعتماد مواد قابلة للتدوير أو التحلل

وتؤكد الدراسة أن هذه الإجراءات لا تتطلب بالضرورة استثمارات ضخمة، بقدر ما تحتاج إلى رؤية مندمجة وحكامة فعالة وتنسيق بين مختلف الفاعلين، مع جعل التعاونيات في صلب هذا التحول نحو اقتصاد أخضر مستدام.

بهذا، يتضح أن مستقبل زيت القنب الهندي بالمغرب لن يُحسم فقط في السوق، بل أيضاً في قدرة الفاعلين على تحقيق توازن دقيق بين الربح الاقتصادي وحماية الموارد الطبيعية، في سياق بيئي عالمي يزداد حساسية وتعقيداً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى