اقتصاد

سباق مع الزمن بشارع المرنيين.. فاس تهيئ واجهتها التاريخية قبل انطلاق مهرجان الموسيقى الروحية

تعيش فاس خلال هذه المرحلة على وقع دينامية ميدانية مكثفة تعكس تحوّلاً واضحاً في طريقة تدبير الأوراش الكبرى، حيث تتواصل أشغال تأهيل شارع المرنيين بوتيرة متسارعة وغير معهودة، في سياق تعبئة شاملة تهدف إلى إنهاء مختلف التدخلات المرتبطة بهذا المحور الحيوي قبل حلول موعد مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة المرتقب مع بداية شهر يونيو، وهو الحدث الذي يجعل من المدينة واجهة ثقافية عالمية ويضع بنيتها التحتية أمام اختبار الجاهزية والاستجابة السريعة.

سباق ميداني مع الزمن لتأهيل محور استراتيجي وربطه بالقلب التاريخي للمدينة

الأشغال الجارية بشارع المرنيين لم تعد مجرد تدخل تقني محدود، بل تحولت إلى ورش حضري متكامل يشمل إعادة هيكلة الطريق، توسيع بعض المقاطع، تحديث الأرصفة، تعزيز الإنارة العمومية، وإعادة تنظيم الفضاء بما يضمن انسيابية الحركة ويُحسّن من جاذبية هذا المدخل الحيوي المؤدي إلى المدينة العتيقة، خاصة في اتجاه باب المكينة الذي يُعد أحد أبرز الفضاءات التاريخية المحتضنة للفعاليات الكبرى.
ويمتد هذا الورش ليشمل كذلك المحيط القريب من ثانوية القرويين، حيث يتم العمل على تهيئة الساحات المجاورة وإعادة ترتيب الفضاءات العمومية بما يواكب حجم الحركية التي تعرفها المنطقة، سواء خلال الأيام العادية أو في فترات الذروة السياحية والثقافية، وهو ما يعكس وعياً متزايداً بأهمية الربط بين جودة الفضاء الحضري ومتطلبات الإشعاع الثقافي.

من شارع تقليدي إلى منتزه حضري خطي متعدد الوظائف يعيد تعريف المجال

المعطى الأبرز في هذا الورش يتمثل في كونه جزءاً من مشروع حضري جديد يتجاوز منطق التهيئة الكلاسيكية، إذ تم تصور شارع المرنيين كمجال حضري حديث يتحول تدريجياً إلى منتزه خطي مفتوح، يجمع بين الوظائف البيئية والرياضية والترفيهية والثقافية، وهو ما يتجسد في إدماج مساحات خضراء واسعة، وممرات مخصصة للراجلين، ومسارات للدراجات الهوائية، إلى جانب إحداث ملاعب للقرب وفضاءات لممارسة الرياضة في الهواء الطلق، فضلاً عن تجهيز ساحات عمومية حديثة ومناطق موجهة للأطفال، مع إدراج فضاءات ثقافية من قبيل مسرح مفتوح “أمفيتاتر” ونقاط مخصصة للتعبير الفني والإبداع الحضري.
هذا التحول النوعي يعكس انتقال المدينة من معالجة اختلالات البنية التحتية إلى بناء نموذج حضري جديد قائم على جودة العيش وتعدد الاستعمالات، بما يجعل من هذا المحور فضاءً يومياً للساكنة وليس مجرد ممر عبور.

ولاية جهة فاس مكناس تقود المشروع وشركة فاس الجهة للتهيئة تؤمن التنزيل التقني

يقف وراء هذا المشروع تصور استراتيجي تقوده ولاية جهة فاس مكناس، التي وضعت هذا الورش ضمن أولوياتها باعتباره مدخلاً لإعادة تأهيل واجهة المدينة التاريخية، حيث تم اعتماد مقاربة تقوم على توحيد الرؤية وتسريع التنفيذ وضمان الالتقائية بين مختلف المتدخلين.
وفي هذا السياق، تضطلع شركة فاس الجهة للتهيئة بدور محوري كذراع تنفيذي للمشروع، إذ تشرف على تنزيل مختلف مكوناته وفق معايير تقنية حديثة تراعي الجودة والآجال في الآن ذاته، مع الحرص على التنسيق الميداني بين الشركات المتدخلة ومصالح التدبير الحضري، وهو ما ساهم في إعطاء دفعة قوية للأشغال خلال الأسابيع الأخيرة.

تتبع ميداني مباشر لوالي الجهة ودفع قوي نحو احترام الآجال وجودة الإنجاز

الحضور الميداني لوالي جهة فاس مكناس خالد آيت طالب شكّل عاملاً حاسماً في تسريع وتيرة الإنجاز، حيث عمل على تتبع تقدم الأشغال بشكل مباشر والوقوف على تفاصيلها التقنية، مع التأكيد على ضرورة احترام الجدولة الزمنية المحددة وضمان جودة التنفيذ، خاصة في ما يتعلق بالمحاور المرتبطة بمحيط باب المكينة والساحات التي ستحتضن حركة مكثفة خلال المهرجان.
وقد أبان هذا التتبع عن أسلوب تدبير يرتكز على الصرامة في الإنجاز والمرونة في معالجة الإكراهات، من خلال تسهيل تدخلات المتعهدين وتقليص آثار الأشغال على حركة السير، وهو ما انعكس بشكل واضح على تسارع وتيرة العمل داخل الورش.

شركة فاس الجهة للتهيئة كقاطرة للتنفيذ وتسريع الأوراش الكبرى بالمدينة

ضمن هذا المسار، برزت شركة فاس الجهة للتهيئة كفاعل مركزي في تنزيل المشاريع المهيكلة، حيث لم يقتصر دورها على التنفيذ التقني فحسب، بل امتد ليشمل تدبير العمليات الميدانية المعقدة وضمان التكامل بين مختلف مكونات المشروع، الأمر الذي مكّن من تجاوز عدد من التعثرات التي كانت تطبع أوراشاً مماثلة في السابق، وساهم في خلق دينامية جديدة قائمة على النجاعة والسرعة في الإنجاز دون التفريط في معايير الجودة.

تنزيل فعلي للرؤية الملكية واستعدادات مرتبطة برهانات مونديال 2030

تندرج هذه المشاريع في إطار رؤية وطنية أوسع تستلهم توجيهات جلالة الملك محمد السادس الرامية إلى تأهيل المدن المغربية ورفع جاهزيتها لاحتضان التظاهرات الدولية الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم 2030، حيث تُعد فاس من بين المدن المعنية بهذه الدينامية، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الموجهة لإعادة تأهيل بنيتها التحتية وتعزيز جاذبيتها السياحية والثقافية.
وفي هذا الإطار، يشكل مشروع شارع المرنيين نموذجاً عملياً لهذا التوجه، إذ يجمع بين تحديث الشبكة الطرقية وإحداث فضاءات حضرية حديثة تستجيب لمتطلبات المدينة المستقبلية.

بين رهان المهرجان وأفق التحول الحضري طويل المدى

إذا كانت الجهود الحالية مركزة على ضمان جاهزية المحور والساحات المحاذية له قبل انطلاق مهرجان الموسيقى الروحية، فإن الرهان الحقيقي يتجاوز هذا الموعد الظرفي ليؤسس لتحول حضري عميق يعيد رسم ملامح أحد أهم مداخل فاس، حيث يتم الانتقال من منطق التدخلات الظرفية إلى بناء مشروع متكامل يعزز جودة الحياة ويمنح المدينة بعداً جمالياً ووظيفياً جديداً.
وفي هذا السياق، يواصل والي الجهة خالد آيت طالب تتبع مختلف تفاصيل هذا الورش، في انسجام مع مجهودات شركة فاس الجهة للتهيئة التي تواصل تنزيل المشروع على الأرض، ما يجعل من شارع المرنيين اليوم عنواناً لمرحلة جديدة تعيشها فاس، قوامها تسريع الإنجاز وربط التأهيل الحضري بالرؤية الاستراتيجية لمغرب ما بعد 2030.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى