سياسة

لزال داخل “الميزان” بمكناس… تمرد عائلة الأنصاري، نزوح نحو حزب الأصالة والمعاصرة وحزب التجمع الوطني للأحرار، وصراع نزار بركة–نعم ميارة يشعل حرب التزكيات داخل حزب الاستقلال

في سياق سياسي متوتر يتغذى من ديناميات انتخابية مبكرة وصراعات أجنحة داخلية، يعيش حزب الاستقلال على وقع نزيف تنظيمي حاد بجهة فاس مكناس، خاصة بمدينة مكناس التي تحولت إلى بؤرة توتر صامت يتسع تدريجياً، حيث لم يعد الأمر مجرد اختلاف في وجهات النظر أو تنافس عادي حول التزكيات، بل تطور إلى مؤشرات تفكك حقيقي في البنية التنظيمية، مع بروز معطيات مقلقة تتعلق بهجرة محتملة لرموز وازنة نحو أحزاب منافسة، في مقدمتها حزب الأصالة والمعاصرة، وهو ما تؤكده معطيات حديثة تفيد بأن نجل أحد أبرز أعيان الحزب بالجهة، والمنتمي لعائلة الأنصاري ذات الامتداد السياسي والتاريخي داخل “الميزان”، يتجه للترشح خارج عباءة الحزب، في خطوة تحمل دلالات سياسية عميقة تتجاوز بعدها الفردي إلى كونها رسالة احتجاج واضحة على طريقة تدبير مرحلة التزكيات وإعادة ترتيب موازين القوى داخل الحزب

هذا التحول لا يمكن فصله عن سياق أوسع يتميز بتراجع نفوذ عائلة الأنصاري داخل الحزب، حيث تشير معطيات سابقة إلى صعوبة حصول هذه العائلة على التزكيات الانتخابية، في ظل توجه القيادة الحالية نحو ضخ دماء جديدة وإبعاد بعض الأسماء التي ارتبطت بصراعات داخلية سابقة، وهو ما خلق حالة من الاحتقان دفعت إلى فتح قنوات تواصل مع خصوم سياسيين، في مقدمتهم حزب الأصالة والمعاصرة، الذي يبدو أنه يستثمر بذكاء في هذه الشروخ لاستقطاب وجوه انتخابية ذات وزن محلي

وإذا كان نزوح نجل الأنصاري نحو “البام” يشكل ضربة رمزية قوية، فإن ما يزيد الوضع تعقيداً هو ما يتم تداوله من تسريبات سياسية حول إمكانية ترشح نجلة رئيس جهة فاس مكناس، عبد الواحد الأنصاري، ضمن لوائح حزب التجمع الوطني للأحرار، وهو سيناريو – إن تأكد – سيعني عملياً تفكك أحد أبرز البيوتات الانتخابية التي كانت إلى وقت قريب تشكل ركيزة أساسية لحزب الاستقلال في الجهة، ما يعكس عمق الأزمة التي لم تعد خفية بل بدأت تطفو على السطح بشكل متسارع.

في موازاة ذلك، تتجه الأنظار إلى المؤتمر الاستثنائي المرتقب لنقابة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، الذراع النقابي للحزب، والذي يأتي في سياق توترات غير مسبوقة بين الجناحين السياسي والنقابي، حيث تشير المعطيات إلى أن هذا المؤتمر لن يكون مجرد محطة تنظيمية عادية، بل لحظة حاسمة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، خاصة مع إعلان عدم ترشح النعم ميارة، وهو ما يُفهم منه وجود توجه داخل تيار نزار بركة لإعادة رسم خريطة النفوذ داخل النقابة والتخلص من القيادات التي لم تعد تنسجم مع الرؤية الجديدة للحزب

هذه التحولات تأتي في ظل صراعات حادة حول التزكيات الانتخابية، التي تحولت إلى بؤرة توتر رئيسية داخل الحزب، حيث تتحدث تقارير إعلامية عن “فتنة داخلية” بسبب طريقة تدبير هذه التزكيات، وهو ما يعكس عمق الخلافات حول من يملك القرار داخل الحزب، ومن يحدد هوية المرشحين في الاستحقاقات المقبلة، خاصة في ظل اقتراب انتخابات 2026 التي تفرض إعادة تموقع استراتيجي على مستوى القيادات المحلية والجهوية

ولعل أخطر ما في هذا المشهد هو أن الصراع لم يعد محصوراً داخل الغرف المغلقة، بل بدأ ينعكس على الأرض من خلال انسحابات صامتة، وتراجع في التعبئة الحزبية، وتنامي شعور بالإقصاء لدى عدد من الفاعلين المحليين، وهو ما قد يؤدي إلى رجة تنظيمية قوية داخل الحزب بجهة فاس مكناس مباشرة بعد المؤتمر الاستثنائي للنقابة، خاصة إذا ما استمر تيار القيادة الحالية في نهج سياسة الإقصاء وإعادة الهيكلة دون توافق داخلي واسع.

إن ما يجري اليوم داخل حزب الاستقلال بمكناس والجهة عموماً لا يمكن قراءته كحدث معزول، بل هو جزء من تحولات أعمق يشهدها الحقل الحزبي المغربي، حيث أصبحت التزكيات أداة لإعادة تشكيل النخب، وأضحى الصراع حول المواقع الانتخابية مدخلاً لتفكيك تحالفات تاريخية، في وقت تتسابق فيه الأحزاب على استقطاب الأعيان والوجوه القادرة على ضمان النتائج، ولو على حساب الاستقرار التنظيمي، وهو ما يجعل من المرحلة المقبلة مفتوحة على جميع السيناريوهات، بما فيها إعادة رسم الخريطة السياسية بالجهة بشكل جذري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى