إشادة واسعة لساكنة فاس بمشاريع التأهيل الحضري وتثمين الفضاءات التاريخية، وسلطات الولاية تواصل تنزيل أوراش مهيكلة عبر ذراع تنفيذي متمرس يقود التحول العمراني للمدينة

تعيش مدينة فاس على وقع دينامية عمرانية متسارعة تعكس تحولاً نوعياً في مقاربة تدبير الشأن الحضري، حيث أطلقت سلطات ولاية جهة فاس مكناس سلسلة من الأوراش المهيكلة التي تستهدف إعادة الاعتبار للفضاءات التاريخية وتحسين جودة العيش داخل المدينة، وهو ما لقي إشادة واسعة من طرف الساكنة التي بدأت تلمس التغيير بشكل ملموس على مستوى وسط المدينة، في انسجام تام مع التوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة محمد السادس الرامية إلى تأهيل المدن المغربية وتعزيز جاذبيتها في أفق الاستحقاقات الدولية الكبرى وعلى رأسها كأس العالم 2030.
وفي صلب هذه التحولات، يبرز مشروع تأهيل حديقة لالة أمينة، المعروفة لدى الساكنة بـ“حديقة الريكس” بحكم موقعها المحاذي لسينما “الريكس”، باعتباره نموذجاً لإعادة إحياء الفضاءات العمومية ذات الحمولة التاريخية والرمزية، حيث ظلت هذه الحديقة لسنوات طويلة تعاني من الإهمال قبل أن يتم إدراجها ضمن برنامج تأهيل شامل تشرف على تنفيذه شركة فاس الجهة للتهيئة، التي اعتمدت مقاربة تقنية حديثة ترتكز على إعادة هيكلة المساحات الخضراء وفق تصميم بيئي متوازن، وإدماج مسارات للراجلين وفضاءات للراحة والاستجمام، مع الحفاظ على الطابع الجمالي والتاريخي للمكان، وهو ما جعل المشروع يحظى باهتمام كبير من طرف الساكنة التي تتابع تفاصيله اليومية وتبدي إعجابها بالتصور الهندسي المعروض بعين المكان، في انتظار افتتاحه خلال الأشهر المقبلة ليعود كمتنفس حضري حقيقي لساكنة المدينة و الزوار و السياح.
وبموازاة ذلك، يشكل مشروع إعادة بناء السوق المركزي “مارشي سنطرال” أحد أبرز الأوراش التي تعكس الرؤية الجديدة لتأهيل النسيج التجاري والتاريخي للمدينة، حيث يتم تشييده من جديد وفق تصور معماري يجمع بين استلهام عناصر الهوية الفاسية الأصيلة، من خلال اعتماد الأقواس والزخارف التقليدية المستوحاة من المدينة العتيقة، وبين إدماج معايير البناء الحديث الذكي الذي يستجيب لمتطلبات الراحة والجاذبية الاقتصادية، إذ يتضمن المشروع إحداث مرأبين تحت أرضيين للتخفيف من حدة الاكتظاظ المروري،مع إحداث طابق أرضي للتسوق اليومي، إلى جانب تخصيص فضاءات عصرية للمقاهي والمطاعم بالطابق العلوي، وهو ما من شأنه أن يحول السوق إلى قطب اقتصادي وسياحي متكامل يعكس التعدد الثقافي والتاريخي الذي ميز هذا الفضاء لعقود، خاصة ارتباطه التاريخي بمختلف مكونات المجتمع الفاسي بما في ذلك اليهود المغاربة والجالية المسيحية، مما يمنحه بعداً حضارياً يتجاوز الوظيفة التجارية التقليدية.
ولا تقف هذه الدينامية عند حدود المشاريع الكبرى، بل تمتد لتشمل سلسلة من التدخلات المتكاملة التي تستهدف تحسين المشهد الحضري لوسط المدينة، من خلال عمليات واسعة لصباغة واجهات المباني بشارعي محمد الخامس والحسن الثاني، وتأهيل المحلات التجارية باستعمال الرخام المغربي، فضلاً عن تحسين الإنارة العمومية وتنظيم الفضاءات الحضرية، وهي إجراءات تعكس إرادة واضحة لإعادة الاعتبار لقلب المدينة الذي يشكل واجهتها الرئيسية.
وفي هذا السياق، تحضر بقوة إشادة الساكنة بالدور الذي تقوم به سلطات الولاية تحت إشراف والي الجهة خالد آيت طالب، الذي يقود مرحلة تنزيل هذه المشاريع بوتيرة متسارعة، معتمداً على التنسيق المحكم بين مختلف المتدخلين، وعلى رأسهم شركة فاس الجهة للتهيئة التي أضحت الذراع التنفيذي الفعلي لهذه الأوراش، حيث تشتغل وفق رؤية حديثة تجمع بين الفعالية التقنية والالتزام بآجال الإنجاز وجودة المشاريع.
غير أن هذا التحول العمراني، رغم أهميته، يظل رهيناً بانخراط فعلي للساكنة في الحفاظ على هذه المكتسبات، إذ تبرز الحاجة الملحة إلى ترسيخ ثقافة المواطنة المسؤولة التي تقوم على صيانة الفضاءات العمومية ومحاربة السلوكيات التخريبية والمساهمة في نظافة المدينة، لأن نجاح هذه المشاريع لا يقاس فقط بجودتها الهندسية، بل أيضاً بمدى قدرة المجتمع على احتضانها والحفاظ عليها كجزء من هويته اليومية.
إن ما تشهده فاس اليوم ليس مجرد عملية تأهيل ظرفية، بل هو تحول استراتيجي يروم إعادة تموقع المدينة ضمن خريطة المدن المغربية الكبرى، واستعادة إشعاعها التاريخي والثقافي في سياق معاصر يزاوج بين الأصالة والحداثة، وهو ما يجعل من هذه المرحلة لحظة مفصلية تستدعي تعبئة جماعية من أجل إعادة الروح إلى واحدة من أعرق الحواضر المغربية.






