زلزال الأنظمة المنغلقة وعودة حسابات الواقعية الجيوسياسية… هل صار الدور على النظام الجزائري؟

في لحظة فاصلة من تاريخ النظام الدولي، يشهد العالم تحولات جيوسياسية عميقة تعيد رسم موازين القوى، وتضع نماذج الحكم المغلقة والمتحالفة مع ميليشيات خارجة عن سلطة الدولة في دائرة التساؤل والمساءلة. من تهاوي محور الأنظمة التصديرية في دمشق وكاراكاس إلى اهتزاز بنية النفوذ الإيرانية، تبرز أسئلة كبيرة حول مصير الأنظمة التي راهنت على القوة الصلبة والتمويل اللوجستي للميليشيات كأدوات للسياسة الخارجية. وفي هذا السياق، تتجه الأنظار نحو النظام الجزائري وسياساته الإقليمية المثيرة للجدل، في محاولة لاستشراف ما إذا كان سيواجه مصيراً مماثلاً في زمن يعيد فيه المجتمع الدولي ترتيب أولوياته.
سقوط محاور النفوذ التقليدية… مؤشر على نهاية عصر “السياسة بالقوة”
خلال السنوات الأخيرة، شهدت المنطقة تقلبات غير مسبوقة في تصور السلطة ومقاييس النفوذ:
-
في سوريا، فقدت الطبقة الحاكمة موقعها كحلقة وصل استراتيجية في محور دعم الميليشيات بعدما عجزت عن فرض سيطرتها بوسائلها التقليدية، بما يشكل ضربة قاسية لما كان يسمى “عمقاً استراتيجياً”.
-
في فنزويلا، أدت الضغوط السياسية والاقتصادية المحلية والدولية إلى انهيار تدريجي لمكانة نيكولاس مادورو كأحد أعمدة محور المنظمات غير الحكومية والميليشيات.
-
أما في إيران، فإن وفاة المرشد الأعلى التي جرت في ظروف استثنائية شكلت نقطة تحول في بنية النظام، وأثّرت على ارتباطاته وموارده في دعم وكلائه الإقليميين.
هذه التطورات لا تعبر فقط عن عثرات سياسية هنا أو هناك، بل عن تراجع نموذج كامل يعتمد على القوة العسكرية والتمويل غير المباشر كأداة للدبلوماسية. ومع تقليص الفاعلين الكبار لقدرتهم على التحرك المؤثر خارج حدودهم، يتسع الفراغ أمام مراجعات عميقة لأنماط السياسة الخارجية القائمة على الصدام.
الجزائر: بين السياسة الخارجية المتهالكة وتداعيات التدخل الإقليمي
وسط هذا المشهد، يبرز النظام الجزائري كأحد أبرز الأمثلة على التمسك بنهج مواجهات الماضي وعدم الانخراط في ديناميات جديدة من التعاون الإقليمي. منذ عقود، تبنت الجزائر سياسات خارجية أثارت انتقادات واسعة على المستويين الإقليمي والدولي، أبرزها:
1. دعم جبهة البوليساريو وتمويلها:
تُعد قضية الصحراء المغربية من أكثر الملفات التي أثرت على صورة الجزائر كفاعل جيوسياسي. لقد تجاوز دعم النظام لهذه الجبهة الحدود الدبلوماسية العادية، ليمتد إلى موارد مالية وعسكرية وسياسية، ما جعل العلاقات مع دول الجوار، وخصوصاً المغرب، في حالة توتر مستمرة. وتثير ممارسات مثل تحويل مخيمات تندوف إلى منصات للتجنيد والتدريب،و مدعمة بشكل كبير من الحرس الثوري الإيراني و أنصار حزب الله اللبناني، وتسريب تقارير عن تنسيق مع جهات خارجية لتزويد المجموعات المسلحة بمهارات قتالية متقدمة، مخاوف من أن تكون هذه السياسات أحد أوجه الإخلال بالاستقرار الإقليمي.
2. التدخل في شؤون دول الساحل:
واجهت الجزائر اتهامات متكررة من دول مثل مالي والنيجر بنشر نفوذ غير مباشر عبر دعم جماعات مسلحة تسعى لتعطيل مساعي الاستقرار والتنمية. وفي الوقت الذي تعمل فيه أغلب دول المنطقة على تعزيز الأمن المشترك ورفض التدخل الخارجي، يبدو أن الرؤية الجزائرية ظلت أسيرة منطق النفوذ الميداني والموكلين المحليين، ما انعكس سلباً على إرساء التعاون والتفاهم بين دول الجوار.
3. عزلة دولية متنامية:
بسبب هذا النهج، سجلت الجزائر تراجعاً في موقعها داخل المنظمات الإقليمية، وتحرّجاً في العلاقات الثنائية مع عدد من البلدان الإفريقية والعربية، التي اتهمتها بتقويض سيادة دول أخرى عبر دعم قوى غير حكومية وجماعات مسلحة. هذا السجل أثار ردود فعل دبلوماسية صارمة وطالب العديد من الشركاء الإقليميين والمنظمات الدولية بضرورة احترام قواعد عدم التدخل والالتزام بالقانون الدولي.
إعادة ضبط السياسات أم السقوط المحتوم؟
في ضوء انهيار محور التصدير الثوري والاعتماد على الوكلاء في تنفيذ السياسات الإقليمية، يبدو من الضروري أن يسأل النظام الجزائري نفسه عن جدوى الاستمرار في سياسة أثبتت فشلها في أكثر من نموذج مشابه. فالعالم اليوم، كما يرى مراقبون دوليون، لم يعد يتسامح مع الكيانات التي تسعى إلى توسيع نفوذها عبر الميليشيات وتمويل الحركات الانفصالية، ويمنح الأولوية للسياسات القائمة على التعاون والشراكات الاقتصادية والأمنية المتبادلة.
إن القطيعة الجذرية مع هذا الفكر المنغلق ليست خياراً بل ضرورة، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة التي ترفض لغة القوة غير المنظمة، وتدعو إلى احترام السيادة والاستقرار والتنمية المشتركة.
الجزائر بين معادلة الماضي ومتطلبات المستقبل
يدرك المراقبون أن النموذج الجزائري الراهن، القائم على التحكم الأمني والسيطرة العسكرية في السياسة الداخلية والخارجية، لم يعد مجدياً في عالم يزداد ترابطاً وتداخل مصالحه. وفي مقابل دول المنطقة التي توظف سياساتها الخارجية لتعزيز التنمية والاندماج الإقليمي، تظل الجزائر معلقةً بين الماضي والحاضر، تتشبث بأوهام النفوذ غير المباشر عبر وكلاء لم يُثبتوا فعاليتهم إلا زيادة في الأزمات وتعميق للعزلة.
إن المنطقة، في ظل التحولات الأخيرة، لا تحتاج إلى أنظمة تعتمد على الوكلاء والميليشيات كوسيلة للدبلوماسية، بل إلى شركاء جديين قادرين على بناء الثقة، واحترام القانون الدولي، والمشاركة في مشاريع تنموية توفر فرصاً اقتصادية وتحافظ على السلم الاجتماعي.
زمن الواقعية أم زمن الانغلاق؟
إذا كان سقوط محاور النفوذ العسكري والميليشيوي في أماكن مثل دمشق وكاراكاس وطهران يمثل مؤشر نهاية عصر الإنغلاق السياسي، فإن بقاء الجزائر على نفس السياسات القديمة يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة هذا النظام على الانخراط في العصر الجديد. فإما أن يختار القادة الجزائريون الانفتاح على منطق الشراكات البناءة بما يخدم استقرار المنطقة وتنميتها، أو أن يستمروا في سياسة أثبتت فشلها في أكثر من محطة، وتزداد معها مخاطر العزلة والتراجع الإقليمي.
في النهاية، التاريخ لا يرحم الأنظمة التي ترفض التغيير، ولا يوفّق من يستثمر في الانقسام والتوتر بدلاً من البناء والتعاون. والسؤال الكبير الآن: هل ستختار الجزائر الانضمام إلى مسار التعاون والتكامل، أم ستظل ملتحفةً بصفات الأنظمة المنغلقة التي طالها الزلزال التاريخي؟






