سياسة

إقليم تاونات: “انفجار من الداخل” يكشف زيف اللجان المسيسة.. حينما تصبح آلام المنكوبين “أصلاً تجارياً” في بورصة الانتخابات

شهد إقليم إقليم تاونات تطوراً لافتاً بعد إعلان أحد الوجوه البارزة التي كانت تقود ما سُمّي بـ“لجنة دعم منكـوبي الفيضانات” انسحابه النهائي، في خطوة اعتبرها متتبعون تحوّلاً نوعياً يكشف حجم التصدعات داخل هذه المبادرة التي وُلدت في سياق إنساني، لكنها سرعان ما انزلقت – وفق معطيات متقاطعة – إلى منطق التسييس وتصفية الحسابات.

الاستقالة لم تكن قراراً عابراً، بل جاءت – حسب ما ورد في التدوينة المنشورة – بعد اتضاح أن بعض البيانات الصادرة لم تحظ بمصادقة جميع الأعضاء، وأن هناك توجهاً لإقحام اللجنة في حسابات “المنطق الفوقي” وصراعات جانبية لا علاقة لها بآلام الساكنة التي تضررت من الفيضانات.

حين يتحول العمل الإنساني إلى منصة انتخابية

المؤسف في هذا السياق أن مأساة إنسانية بحجم ما خلفته الفيضانات الأخيرة تحوّلت لدى بعض الأطراف إلى فرصة للركوب السياسي. فبدل توحيد الصفوف للترافع عن الأسر التي فقدت منازلها أو ماشيتها أو مصدر رزقها، برزت محاولات لاستثمار الحدث في بورصة المزايدات الانتخابية الضيقة.

تاونات ليست ساحة لصراع “التنسيقيات الموسمية” أو اللجان التي تظهر عند الأزمات ثم تختفي. تاونات اليوم في حاجة إلى خطاب مسؤول، وإلى قنوات مؤسساتية واضحة للترافع، بعيداً عن منطق الاصطفافات والبيانات غير المتوافق بشأنها.

وما حدث يؤكد قاعدة بسيطة: ما بُني على باطل فهو باطل. فإذا كانت النوايا مختلطة، والمسارات غير شفافة، فإن النتيجة الحتمية هي الانفجار من الداخل، وهو ما تجسّد في خروج أحد أبرز الأسماء من المشهد، بعدما فطن – حسب مقربين – إلى أن اسمه يُستغل في صراعات لا تخدم المتضررين.

المتضررون أولاً… لا الحسابات الخلفية

المعركة الحقيقية ليست بين أشخاص أو تيارات، بل هي معركة إعادة الإعمار والتعويض والإنصاف. هناك أسر تهدمت منازلها بالكامل، وهناك من فقد قطيعه الذي يشكل مصدر عيشه الوحيد، وهناك من وجد نفسه بين ليلة وضحاها بلا مأوى.

هؤلاء لا ينتظرون بيانات سياسية، بل ينتظرون حلولاً عملية، وتعويضات عادلة، ومواكبة اجتماعية حقيقية على غرار ما تم اعتماده في أقاليم أخرى صُنفت مناطق منكوبة.

الساكنة تطالب بلجان رسمية تنبثق من مقر عمالة الإقليم، وتشتغل في إطار مؤسساتي واضح، بعيداً عن أي توظيف حزبي أو انتخابي. وهي اللجان نفسها التي حضرت ميدانياً خلال لحظات الخطر، حين كانت الأولوية لإنقاذ الأرواح وفك العزلة.

دور السلطات ولجنة اليقظة

في المقابل، يبرز عمل لجنة اليقظة الإقليمية التي يترأسها عامل الإقليم عبدالكريم الغنامي، والتي أشرفت على عمليات التدخل الميداني، من تعبئة للآليات، وإغاثة المتضررين، وفتح المسالك الطرقية، وتنسيق جهود مختلف المصالح.

هذه الجهود، بشهادة عدد من الفاعلين المحليين، شكلت صمام أمان حقيقياً خلال ذروة الأزمة، وأسهمت في الحد من الخسائر البشرية وتطويق الوضع في ظرف قياسي.

وفي الوقت الذي انخرطت فيه السلطات في تدبير الأزمة بمنطق مؤسساتي، اختارت بعض الأصوات المعزولة الاصطياد في المياه العكرة، ومحاولة السطو على مجهودات رسمية واضحة، أو الضغط لتحقيق مكاسب ذاتية وانتخابوية،او نهج سياسة التشويش و ملىء الصفحات الإجتماعية بتدوينات خاوية على عروشها.

تاونات أكبر من صراعات الظل

إقليم تاونات أكبر من أن يُختزل في صراعات خلفية أو حسابات ظرفية. وأكبر من أن يتحول إلى منصة لتصفية حسابات مع السلطات أو لإعادة تدوير وجوه فشلت في محطات سابقة.

الرهان اليوم هو توحيد الجهود للترافع الجدي والمسؤول عن حقوق المتضررين، وضمان إدماجهم في برامج الدعم والتعويض الوطنية، بعيداً عن كل أشكال المزايدة.

فالساكنة التي واجهت السيول لا تحتاج إلى خطابات مشحونة، بل إلى قرارات شجاعة، ومرافعات قوية أمام الجهات المركزية، وخطط واضحة لإعادة الإعمار.

استقالة أحد قادة اللجنة ليست حدثاً معزولاً، بل مؤشر على خلل في البنية والرؤية. وهي في الآن ذاته رسالة بأن العمل الإنساني لا يحتمل الغموض ولا التوظيف السياسي.

تاونات اليوم أمام مفترق طرق: إما ترسيخ مسار مؤسساتي مسؤول يقوده ممثلو الدولة والفاعلون الجادون، أو ترك المجال لمن يفضلون الضجيج على الحلول.

والأكيد أن كرامة المتضررين وحقوقهم في التعويض والإنصاف يجب أن تبقى فوق كل اعتبار… وفوق كل حساب انتخابي ضيق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى