قضايا

مكناس بين ضجيج السياسة وصمت التنمية… مدينة تبحث عن إقلاع حقيقي قبل الاستحقاقات

تعيش مدينة مكناس مرحلة دقيقة تتقاطع فيها رهانات التنمية مع احتدام الصراعات السياسية داخل المجلس الجماعي، في سياق يسبق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. وبينما يتجدد الخطاب السياسي كلما اقتربت المواعيد الانتخابية، تبقى أسئلة الإقلاع التنموي الحقيقي معلقة، في مدينة تبحث عن استعادة موقعها الاقتصادي والحضاري داخل جهة فاس مكناس.

تنمية مؤجلة وصراعات مستمرة

الحديث عن التنمية في العاصمة الإسماعيلية غالبًا ما يرتبط بمبادرات ظرفية أو مشاريع متفرقة: تهيئة بعض الشوارع، معالجة أعطاب الإنارة العمومية، سد الحفر، أو فتح مرافق موسمية. غير أن هذه التدخلات، رغم أهميتها، لا ترقى إلى مستوى رؤية استراتيجية متكاملة قادرة على إحداث تحول نوعي في بنية المدينة الاقتصادية والاجتماعية.

في المقابل، يعرف المجلس الجماعي حالة من التجاذب السياسي المستمر، حيث تتحول الخلافات الحزبية إلى عنصر معيق لتسريع المشاريع واتخاذ قرارات حاسمة. هذا المناخ يساهم، بحسب متابعين للشأن المحلي، في تعميق الأزمة بدل احتوائها، ويجعل الزمن التنموي رهينًا بالصراع السياسي أكثر من كونه خاضعًا لمنطق التخطيط والإنجاز.

تحديات حضرية متراكمة

تعاني مكناس من اختلالات عمرانية وبنيوية متراكمة، تشمل:

  • تدهور بعض المحاور الطرقية وانتشار الحفر.

  • هشاشة عدد من البنايات بالمدينة العتيقة وأحياء قديمة.

  • خصاص في الصيانة الدورية للإنارة والفضاءات العمومية.

  • بطء تنزيل مشاريع مهيكلة قادرة على خلق دينامية اقتصادية.

ورغم ما تتوفر عليه المدينة من مؤهلات تاريخية وسياحية، باعتبارها حاضرة مصنفة ضمن التراث العالمي لدى اليونسكو، فإن استثمار هذا الرصيد لم يتحول بعد إلى رافعة اقتصادية مستدامة توفر فرص شغل كافية للشباب.

نحو تدخل تقني لتجاوز الحسابات السياسية

أمام هذا الوضع، يبرز مقترح إدخال فاعل تقني متخصص لتولي إنجاز بعض المشاريع الكبرى أو المتعثرة، ويتعلق الأمر بـ شركة فاس الجهة للتهيئة، التي راكمت تجربة في تنزيل مشاريع مهيكلة على مستوى الجهة.

الرهان هنا لا يتعلق بسحب الاختصاص من المجلس الجماعي، بل بإعادة توزيع الأدوار وفق منطق الحكامة:

  • المنتخبون يضعون الرؤية ويحددون الأولويات.

  • الشركة الجهوية تتكفل بالتنفيذ التقني وفق عقود مضبوطة وآجال محددة.

  • السلطات الترابية تضمن التنسيق والمراقبة.

إسناد مشاريع التهيئة الحضرية الكبرى، وإعادة تأهيل الأحياء الهشة، ومعالجة الاختلالات البنيوية إلى شركة ذات طابع مهني وتقني قد يمنح دفعة جديدة لمسار التنمية، ويخفف من تأثير الصراعات السياسية على وتيرة الإنجاز.

ما بين الخطاب والنتيجة

مكناس اليوم لا تحتاج إلى مزيد من “الهضاضرية” السياسية أو الاصطفافات الظرفية، بل إلى معادلة أداء واضحة تُقاس بنتائج ملموسة: تحسين جودة العيش، تحفيز الاستثمار، خلق فرص الشغل، واستعادة جاذبية المدينة.

فالرهان الحقيقي يكمن في تحويل “برنامج عمل الجماعة” من وثيقة إدارية إلى تعاقد أخلاقي مع الساكنة، تُبنى عليه المساءلة وتُقاس عبره النجاعة. وفي ظل استمرار التعثر، يصبح التفكير في حلول هيكلية – من بينها إشراك شركة جهوية للتهيئة – خيارًا واقعيًا لتدارك الزمن الضائع.

مفترق طرق

العاصمة الإسماعيلية أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما الاستمرار في تدبير يومي يطفئ الحرائق ويُراكم التأجيل، أو الانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها الاحترافية، تسريع الإنجاز، وتحييد الصراعات السياسية عن مسار التنمية.

إن إنقاذ مكناس من عثراتها المتتالية ليس مسؤولية طرف واحد، بل مسؤولية جماعية تقتضي شجاعة القرار، ووضوح الرؤية، وتغليب مصلحة المدينة على الحسابات الانتخابية الضيقة. فالوقت التنموي لا ينتظر، وثقة المواطن لا تُستعاد إلا بالفعل الملموس، لا بالشعارات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى