تعبئة وطنية شاملة لمواجهة “غضب الطبيعة”: ملحمة تضامن ملكية وشعبية لإغاثة المتضررين من الفيضانات بشمال المملكة

متابعة: موفد فاس 24 الى القصر الكبير
تعيش المناطق الشمالية والغرب بالمملكة المغربية على وقع استنفار غير مسبوق، إثر التقلبات الجوية العنيفة والتساقطات المطرية الغزيرة التي شهدتها البلاد في الأيام الأخيرة. هذه التساقطات، التي كانت مرتقبة لكسر سنوات من الجفاف، تحولت إلى تحدٍ ميداني كبير بعدما تسببت في امتلاء حقينة السدود الكبرى وارتفاع منسوب الوديان، مما اضطر السلطات إلى اتخاذ إجراءات استباقية وتدخلات ميدانية تحت إشراف مباشر من أعلى سلطات الدولة.
سد واد المخازن والوحدة: “فائض” يختبر الجاهزية الميدانية
شكلت عملية فتح حقينة عدد من السدود الكبرى، وعلى رأسها سد واد المخازن بجهة طنجة تطوان الحسيمة وسد الوحدة (أكبر سدود المملكة)، ضرورة تقنية لتصريف المياه الزائدة بعد وصولها لمستويات ملء قياسية (بلغت 100% في بعض المحاور). هذا الإجراء، رغم ضرورته لحماية البنية التحتية للسدود، ضاعف من حجم التدفقات المائية نحو وادي اللوكوس ونهر سبو، مما أدى إلى فيضانات واسعة اجتاحت الدواوير والمناطق المحاذية، وعزلت أحياءً بأكملها خاصة في مدينة القصر الكبير وضواحي سيدي قاسم.
تحركات الوالي اليعقوبي والوالي الزروالي: تنسيق عالي المستوى
ميدانياً، وفي إطار تفعيل لجان اليقظة، حلّ والي جهة الرباط-سلا-القنيطرة، محمد اليعقوبي، يوم أمس بإقليم سيدي قاسم، حيث قام بجولة تفقدية شملت ضفاف نهر سبو وجماعة سيدي يحيى الغرب. اليعقوبي وقف شخصياً على سير التدابير الاحترازية وإجراءات حماية الساكنة من فيضان النهر، موجهاً تعليمات صارمة برفع درجة التأهب القصوى وتأمين المسالك الطرقية الحيوية.
وفي السياق ذاته، وبتكليف من وزارة الداخلية، حلّ الوالي مدير مراقبة الحدود والهجرة، السيد خالد الزروالي، بمدينة القصر الكبير، التي تعد الأكثر تضرراً بفعل فيضانات نهر اللوكوس. الزروالي ترأس لجنة اليقظة المحلية، وعمل على تنسيق الجهود مع السلطات الإقليمية لضمان فعالية التدخلات، وذلك عقب اجتماع طارئ للجنة الوطنية لليقظة بالرباط حضره وزير الداخلية وكبار المسؤولين الأمنيين.
تعليمات ملكية سامية: القوات المسلحة في قلب المعركة
تنفيذاً للتعليمات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، تدخلت وحدات الجيش بكل ثقلها في المناطق المنكوبة.
-
تشييد ملاجئ عسكرية: باشرت الهندسة العسكرية بناء مخيمات إيواء ضخمة ومستشفى ميداني بالقصر الكبير لاستقبال المدنيين الذين غمرت المياه منازلهم.
-
توفير الدعم اللوجستي: شملت التعليمات الملكية توفير التغذية الكاملة، الأغطية، والرعاية الطبية الشاملة للمتضررين.
-
تعليق الدراسة: وبشكل استباقي، تقرر توقيف الدراسة بمدينة القصر الكبير لمدة أسبوع لضمان سلامة التلاميذ والأطر التربوية.
بطولات الوقاية المدنية و”ضفادع” الدرك الملكي
شهدت المناطق المتضررة مشاهد بطولية لعناصر الوقاية المدنية وفرق “الضفادع” التابعة للدرك الملكي المتخصصة في الغوص. وباستعمال زوارق سريعة وعربات برمائية، نجحت هذه الفرق في انتشال مئات العالقين من وسط المياه التي تجاوز منسوبها المتر الواحد داخل التجمعات السكنية، في عمليات إنقاذ معقدة وسط تيارات مائية جارفة.
ملحمة التضامن: “تجيسكي” وجرافات المتطوعين
لم يتأخر المجتمع المدني والمواطنون عن الركب؛ حيث تجسدت روح التضامن المغربي الأصيل في أبهى صورها. فقد تقاطرت على مدينة القصر الكبير شاحنات وجرافات تابعة لخواص للمساعدة في فتح الطرق ونقل العالقين. كما لفت الأنظار شباب مغاربة قدموا بدراجات مائية (Jet Ski) للمشاركة التطوعية في عمليات الإنقاذ والوصول إلى الأزقة الضيقة التي تعذر على الشاحنات الكبيرة دخولها.
إنها ملحمة جديدة يسطرها المغرب بقيادة ملكه وشعبه في مواجهة قسوة المناخ. فبينما تُنعش هذه الأمطار آمال الفلاحين وتملأ خزانات المملكة المائية، تظل الأولوية القصوى للدولة هي حماية الأرواح والممتلكات، في انتظار انقشاع سحب هذه العاصفة بسلام.






