“تيتانيك” فاس تبدأ في الغرق.. السلطات تشرع في هدم “قنبلة موقوتة” والمدينة تصارع إرث “مافيا العقار”

انطلقت صباح اليوم الخميس، تحت حراسة أمنية مشددة وإشراف ميداني من السلطات المحلية، عملية هدم “عمارة التيتانيك” المتواجدة بحي “عين النقبي” الشعبي بفاس، وهي البناية التي تحولت لسنوات إلى رمز للعشوائية وتهديد أرواح المواطنين.
هدم يدوي “حذر” لتفادي الكارثة
باشرت الفرق التقنية عملية الهدم انطلاقاً من الطوابق العلوية للبناية، وباعتماد طرق تقليدية يدوية بعيداً عن الجرافات أو الآليات الثقيلة. هذا الخيار لم يكن اعتباطياً، بل فرضته الحالة المتردية لأساسات العمارة التي تعاني من تشققات غائرة وخطيرة، مما جعل الاستعانة بالآليات الكبرى مغامرة قد تؤدي إلى انهيار مفاجئ يهدد سلامة المباني المجاورة والعمال على حد سواء.
وكانت السلطات قد استبقت هذه الخطوة بإجلاء عشرات العائلات التي كانت تقطن “التيتانيك”، بعد تقارير هندسية أكدت أن البناية أصبحت “آيلة للسقوط في أي لحظة”، منهية بذلك فصولاً من الرعب عاشتها الساكنة تحت سقف مهدد بالانهيار.
إرث “مافيا الهواء” وتراكمات سنوات الرصاص العقاري
ما يحدث اليوم في عمارة التيتانيك ليس إلا قمة جبل الجليد. فالسلطات في فاس تواجه حالياً تركة ثقيلة من الفساد العقاري الذي استشرى لسنوات، حينما كانت “مافيا البناء العشوائي” تعبث بخريطة المدينة العمرانية.
لقد تفننت هذه المافيات في ابتكار أساليب الغش، لعل أبرزها ظاهرة “بيع الهواء”، حيث يتم بيع أسطح المنازل والبنايات بشكل غير قانوني لإضافة طوابق عشوائية دون دراسات تقنية أو تصاريح رسمية، مما أدى إلى تحميل الأساسات فوق طاقتها وجعل المدينة محاصرة بمباني تفتقر لأدنى شروط السلامة.
شبح فاجعة “حي المسيرة” يطارد فاس
ولا تزال ذاكرة الفاسيين تنزف كلما ذكرت المباني المنهارة، فالحادثة المأساوية التي شهدها حي المسيرة الشعبي، والتي خلفت مقتل 22 شخصاً إثر انهيار عمارتين، لا تزال حاضرة كدرس قاسٍ لم يستوعبه البعض بعد.
واليوم، تنفيذاً لتعليمات صارمة من وزارة الداخلية، دخلت سلطات فاس في سباق مع الزمن لإجراء إحصاء شامل لكافة الدور والمباني المهددة بالسقوط. الهدف هو تسريع عمليات الهدم والترحيل قبل وقوع “فاجعة جديدة” قد لا تحمد عقباها، خاصة وأن المدينة باتت مطوقة بأحزمة من الفقر والبؤس العمراني نتيجة التراكمات الخطيرة لعدة أطراف متداخلة.
فاس تستغيث.. هل تكفي الحلول الترقيعية؟
إن إزالة “عمارة التيتانيك” هي خطوة في المسار الصحيح، لكن التحدي الأكبر يكمن في مئات البنايات الأخرى التي تنتظر دورها. فاس اليوم بحاجة إلى تظافر جهود الدولة بكافة قطاعاتها لإنهاء هذه الاختلالات البنيوية.
الساكنة، التي طالما أدت “ضريبة الفواجع” من أرواحها وأقواتها، تنتظر حلولاً جذرية تشمل توفير سكن لائق وإعادة هيكلة الأحياء الهامشية، وقطع الطريق نهائياً أمام لوبيات الفساد التي حولت “حلم السكن” إلى “مقابر مع وقف التنفيذ”.






