15 سنة سجناً نافذاً لطليق شابة بتازة في قضية اعتداء هز الرأي العام… ومحطة قضائية تعيد النقاش حول العنف ضد النساء في المغرب

شهدت قاعة الجنايات بمحكمة الاستئناف بمدينة تازة، إسدال الستار على واحدة من القضايا التي هزت الرأي العام المغربي خلال الأشهر الماضية، بعد أن أصدرت غرفة الجنايات الابتدائية حكماً يقضي بإدانة المتهم بالاعتداء على طليقته الشابة “إيمان”، والحكم عليه بـ15 سنة سجناً نافذاً، في ملف أثار موجة واسعة من التعاطف والغضب عبر مختلف أنحاء البلاد.
وجاء هذا الحكم بعد جلسات محاكمة تابعتها الأوساط الحقوقية والإعلامية عن كثب، بالنظر إلى طبيعة الاعتداء وخلفياته الاجتماعية والإنسانية، وما خلفه من آثار جسدية ونفسية عميقة لدى الضحية.
وفق منطوق الحكم الصادر عن غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بتازة، قررت الهيئة القضائية مؤاخذة المتهم من أجل جناية محاولة القتل العمد دون سبق الإصرار والترصد، وقضت في حقه بعقوبة سجنية نافذة مدتها خمسة عشر عاماً، مع تحميله الصائر.
أما في الشق المدني، فقد سجلت المحكمة تنازل الضحية عن المطالبة بالحق المدني، وهو ما تم الإشهاد عليه من طرف الهيئة القضائية وفق المساطر القانونية المعمول بها.
ويعد هذا الحكم من الأحكام الثقيلة نسبياً في قضايا العنف الأسري المرتبطة بالاعتداءات الخطيرة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمحاولة إزهاق الروح أو إحداث تشويه دائم للضحية.
وفي أول رد فعل لها بعد صدور الحكم، عبّرت الضحية “إيمان” عن ارتياحها النسبي لقرار المحكمة، معتبرة أن هذه المحطة القضائية شكلت بداية طريق التعافي بعد فترة طويلة من المعاناة النفسية والجسدية.
وأكدت أن حالتها النفسية بدأت تتحسن تدريجياً، غير أن آثار الاعتداء ما تزال واضحة، إذ لا تزال تخضع لسلسلة من العلاجات الطبية وجلسات الترميم الجراحي بإحدى المصحات المتخصصة في جراحة التجميل بمدينة الرباط.
وأوضحت الضحية أن الجروح التي أصيبت بها نتيجة الاعتداء لم تلتئم بالكامل بعد، ما يفرض استمرار المتابعة الطبية لفترة طويلة، في محاولة لإصلاح الأضرار التي لحقت بوجهها جراء الهجوم.
وتعود فصول هذه القضية إلى يوم 23 شتنبر 2025، حين استفاق الرأي العام المغربي على وقع حادث اعتداء خطير شهدته مدينة تازة، بعدما أقدم رجل على مهاجمة طليقته في الشارع العام باستعمال سلاح أبيض.
ووفق المعطيات التي جرى تداولها آنذاك، فقد باغت المتهم الضحية واعتدى عليها بشكل عنيف أمام أعين المارة، متسبباً لها في جروح خطيرة على مستوى الوجه وأجزاء أخرى من جسدها.
وسرعان ما انتشرت صور ومقاطع فيديو للحادث على مواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي صدم الرأي العام وأعاد إلى الواجهة النقاش حول ظاهرة الاعتداءات التي تستهدف النساء باستعمال الأسلحة البيضاء، والتي يطلق عليها شعبياً اسم “التشرميل”.
هذا التفاعل المجتمعي الواسع دفع السلطات الأمنية إلى التحرك بسرعة، حيث جرى توقيف المشتبه فيه في وقت وجيز، قبل أن يتم تقديمه أمام العدالة.
وخلال مرحلة التحقيق والمتابعة القضائية، وجهت النيابة العامة للمتهم مجموعة من التهم الخطيرة، تضمنت بحسب صك الاتهام:
-
الاختطاف والاحتجاز
-
التهديد بارتكاب جناية
-
الاغتصاب
-
محاولة القتل مع سبق الإصرار والترصد
غير أن المحكمة، بعد دراسة الملف والاستماع إلى مختلف الأطراف، خلصت إلى إدانته بتهمة محاولة القتل العمد دون سبق الإصرار والترصد.
وفي سياق التضامن مع الضحية، أعلن الاتحاد الوطني لنساء المغرب، الذي تترأسه الأميرة للا مريم، عن التكفل بالحالة الصحية والنفسية لإيمان، في خطوة لقيت إشادة واسعة من طرف المتابعين.
وأوضح الاتحاد في بلاغ رسمي أن الضحية شرعت في بروتوكول علاجي تدريجي متخصص في جراحة التجميل داخل إحدى المصحات بالرباط، بهدف إصلاح الأضرار العميقة التي خلفها الاعتداء.
كما تم توفير مواكبة اجتماعية ونفسية لها عبر منصة “كلنا معك” التابعة للاتحاد، حيث يشرف فريق من المساعدات الاجتماعيات والأخصائيين النفسيين على تتبع حالتها.
وأكد المصدر ذاته أن الاتحاد سيواصل مواكبة الضحية عبر آلياته المختلفة، بهدف تمكينها من إعادة بناء حياتها وإدماجها اجتماعياً واقتصادياً.
وتعيد هذه القضية إلى الواجهة النقاش حول ظاهرة العنف ضد النساء في المغرب، والتي ما تزال تشكل تحدياً مجتمعياً وقانونياً رغم وجود ترسانة قانونية لمحاربتها.
فقد دخل حيز التنفيذ في السنوات الأخيرة قانون خاص بمحاربة العنف ضد النساء، يهدف إلى تشديد العقوبات وتوفير آليات للحماية، غير أن العديد من الجمعيات الحقوقية ترى أن التحدي الحقيقي يكمن في التطبيق الصارم للقانون وتعزيز الوقاية المجتمعية.
كما تشير تقارير جمعوية إلى أن جزءاً مهماً من حالات العنف يحدث داخل العلاقات الأسرية أو العاطفية، وهو ما يجعل الضحايا في كثير من الأحيان مترددات في التبليغ أو متابعة المعتدين قضائياً.
ويرى متابعون أن الحكم الصادر في هذه القضية يحمل رسالة مزدوجة؛ الأولى قانونية تؤكد تشدد القضاء مع الجرائم الخطيرة المرتبطة بالعنف، والثانية مجتمعية تدعو إلى ضرورة تعزيز ثقافة احترام المرأة ونبذ العنف بجميع أشكاله.
وفي انتظار استكمال الضحية لمسار علاجها وتعافيها الكامل، تبقى هذه القضية واحدة من الملفات التي ستظل حاضرة في الذاكرة الجماعية، باعتبارها مثالاً مؤلماً على ما يمكن أن تخلفه نزاعات شخصية تتحول إلى اعتداءات خطيرة تهدد حياة الأفراد وسلامتهم.






