“0.4% تضخم.. وحكومة أخنوش تواصل “العناد”: القدرة الشرائية للمغاربة تحت مقصلة ارتفاع الأسعار والـ “لا مبالاة” السياسية!”

في ظل واقع اجتماعي واقتصادي يوصف بـ “السنوات العجاف” التي أثقلت كاهل الأسر المغربية، جاءت الأرقام الرسمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط لتؤكد استمرار زحف التضخم، وإن كان بوتيرة تبدو “متواضعة” في ظاهرها، إلا أن تأثيرها العميق يضرب القدرة الشرائية للمواطنين في الصميم.
التقرير الأخير أشار إلى ارتفاع الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك بنسبة 0.4 في المائة خلال شتنبر الماضي مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي. ورغم أن هذا التضخم يبدو منخفضاً رقمياً، إلا أنه نابع بشكل أساسي من تزايد أثمان المواد الغذائية بنسبة 0.5 في المائة، وهي النقطة الأكثر حساسية ومباشرة على مائدة المواطن البسيط.
التضخم “الأخضر” يطارد الجيوب
بالتعمق في بنية التضخم الشهري (مقارنة بشهر غشت الماضي)، نجد أن مؤشر المواد الغذائية ارتفع بـ 0.2 في المائة، مدفوعاً بارتفاع أسعار أساسية لا غنى عنها. أبرز هذه الارتفاعات طالت “الخضر” بنسبة 2.6 في المائة، و**”الفواكه” بـ 0.5 في المائة**، و**”اللحوم” بـ 0.4 في المائة**. حتى “الخبز والحبوب” و”الحليب والجبن والبيض” سجلت زيادات طفيفة، لتؤكد أن موجة “التضخم الأخضر” المتعلق بالمنتجات الفلاحية ما زالت تطارد الأسر.
وفي المقابل، لم تنجح الانخفاضات المسجلة في بعض المواد، مثل “الزيوت والدهنيات” (-2.1%) أو “المحروقات” (-2.2%)، في توفير هامش تنفس حقيقي للمواطن، كون تأثير هذه الانخفاضات الجزئية لا يعادل الأثر التراكمي لارتفاع أسعار الأغذية الأساسية على مر الشهور والسنوات.
حكومة “العناد” والـ “لا مبالاة” السياسية
تأتي هذه الأرقام في وقت تشهد فيه البلاد جدلاً حاداً حول الأداء الحكومي، حيث توصف حكومة عزيز أخنوش بـ “القاسية” و”العنيدة” في مواجهة التحديات الاجتماعية. فبدلاً من اعتماد تدابير جذرية لحماية الطبقة الوسطى والفقيرة، يرى النقاد أن الحكومة اكتفت بحلول جزئية أو مؤقتة، رافضة الاعتراف الكامل بحجم الأزمة التي تعصف بالقدرة الشرائية.
إن استقرار مؤشر التضخم الأساسي عند 0.3% مقارنة بالعام الماضي، والذي يستثني المواد المتقلبة، يشير إلى أن الارتفاعات ليست عابرة، بل هي جزء من توجه بنيوي في الأسعار، يستوجب تدخلاً إستراتيجياً وليس مجرد إجراءات تكتيكية.
خريطة التفاوت الجهوي في مواجهة الغلاء
كما كشف التقرير عن تباين واضح في تأثير التضخم حسب الجهات، مما يضيف بعداً إضافياً للأزمة الاجتماعية. فقد سجلت مدن هامة مثل الرشيدية (0.9%)، والعيون (0.6%)، والرباط والدار البيضاء (0.4%) أهم الارتفاعات، مما يعني أن سكان هذه المدن يواجهون ضغطاً مضاعفاً.
إن التفاوت الجغرافي في الأثمان، إلى جانب التفاوت في الاستثمارات (كما أشارت تقارير أخرى)، يرسخ فكرة “مواطنين بدرجات” في مواجهة الغلاء. ففي الوقت الذي تعول فيه الحكومة على “الجهوية المتقدمة” كرافعة للتنمية، نجد أن المواطنين في جهات معينة يتحملون عبئاً أكبر من ارتفاع الأسعار، دون أن يوازيه بالضرورة تحسن في الدخل أو الخدمات.
ختاماً، يستمر السؤال الجوهري مطروحاً: إلى متى ستواصل الحكومة “عنادها” تجاه الأرقام الواقعية التي تصرخ بها جيوب المغاربة؟ وإلى متى ستبقى “اللا مبالاة” السياسية هي الرد على تآكل القدرة الشرائية في مجتمع يطمح للعدالة الاجتماعية؟ إن السنوات العجاف التي يعيشها المواطن تتطلب اليوم أكثر من أي وقت مضى مراجعة شاملة وعميقة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية.






