سياسة

وهبي يهاجم الجمعيات والقضاة: لا أحد فوق الدولة… والدعوى العمومية ليست لعبة انتخابية

في خضم الجدل المتصاعد حول تعديل المادتين 3 و7 من قانون المسطرة الجنائية، خرج وزير العدل عبد اللطيف وهبي ليصب الزيت على نار النقاش، مؤكداً أن تحريك الدعوى العمومية في قضايا المال العام يجب أن يبقى اختصاصاً حصرياً للدولة، ومشدداً على أن الجمعيات التي تنصّب نفسها طرفاً مدنياً في ملفات الفساد قد تجاوزت أدوارها، وأسهمت في التشويش على المؤسسات.

وهبي لم يُخفِ امتعاضه مما وصفه بـ”الانزلاقات والانحرافات” التي رافقت تدخلات بعض الجمعيات، معتبراً أن اعتماد مجرد أوراق أو مقاطع من تقارير المحاسبة لتصفية الحسابات أو تحريك دعاوى قضائية، ليس فقط خطيراً بل يهدد استقرار المرافق والمؤسسات المنتخبة. واعتبر أن المغرب ليس استثناء في تقييد هذا الحق، مستشهداً بتجربة فرنسا، حيث تخضع الجمعيات لموافقة وزير العدل قبل تحريك أي متابعة، قبل أن يعلق بنبرة ساخرة: “على ما يبدو، نحن أكثر ديمقراطية من فرنسا!”

الوزير سرد مثالاً عن مسؤول جماعي أُخضع لمتابعة جنائية دامت ثلاث سنوات، بناءً فقط على أخطاء تدبيرية أثارها تقرير للمجلس الأعلى للحسابات، قبل أن يتم تبرئته لاحقاً. وضعٌ يراه وهبي دليلاً على استغلال بعض القضايا من طرف جمعيات تتغذى على الإثارة، وتمارس النصب المعنوي على المواطنين، بدل الدفاع عن المصلحة العامة.

لكن الهجوم لم يتوقف عند الجمعيات، إذ وجّه وهبي سهام النقد إلى من أسماهم “المحسوبين على الجسم القضائي”، ممن يعلّقون على مشاريع قوانين الحكومة. وقال إنهم “يريدون التشريع والتحكيم في آن واحد، وهذا يطرح إشكالاً حقيقياً حول استقلال القضاء”، داعياً إلى احترام مبدأ الفصل بين السلطات، وعدم خلط الأدوار. واعتبر أن بعض ردود الفعل القضائية تجاه مواقفه لا تستند إلى الحقيقة الكاملة، بل تحركها دوافع انتخابوية ومهنية، خاصة ما أثير حول تصريحاته بشأن القضاة المتقاعدين وممارسة المحاماة.

وهبي اعتبر أن واجب التحفظ من صميم وظيفة القاضي، ومن غير المقبول أن تتحول الجمعيات القضائية إلى أدوات ضغط سياسي أو نقابي، أو أن تنخرط في حملات تشريعية علنية. وذكّر بأن النقاش المؤسساتي حول القوانين المرتبطة بالجسم القضائي يجب أن يتم مع الجهات الرسمية، لا في مواقع التواصل أو الصحف. “إذا كانت استقلاليتكم مقدسة، فعليكم أيضاً احترام استقلالية المؤسسات الأخرى”، يقول الوزير بنبرة صارمة.

وفي سياق متصل، نفى وجود أي خلاف بين الحكومة والرئيس السابق لهيئة محاربة الرشوة والنزاهة، محمد البشير الراشيدي، مؤكداً أن الهيئة لم تُسمّ الفساد أو الفاسدين، بل اكتفت بإحصائيات وتقديرات رياضية، بينما تتطلب المعركة الحقيقية ضد الفساد الوقوف على وقائع محددة، ومعالجة المساطر التي تُستغل في تمرير التجاوزات. وأضاف أن الزج بالأشخاص في السجون دون تصحيح مكامن الخلل قد يؤدي فقط إلى إعادة إنتاج نفس منظومة الفساد.

وهبي شدد على أن محاربة الفساد ليست معركة حكومة بل معركة دولة، وأن مؤسسات كالمجلس الأعلى للحسابات والنيابة العامة تقوم بدورها خارج التجاذب السياسي. واعتبر أن المطلوب اليوم ليس تصفية الرموز، بل فهم آليات الفساد وتصحيح الثغرات القانونية التي تجعله ممكناً، لأن “ثقافة الفساد أصبحت بنية ذهنية، وهذا أخطر من مجرد قضية فساد فردية”.

وفي ختام حديثه، تطرّق إلى الجدل المتعلق بمنع المحامين من تحرير العقود العقارية، نافياً وجود أي صراع مع هيئة الدفاع، بل مجرد نقاش مؤسساتي هدفه تجويد النصوص القانونية. وقال إن الانزلاقات التي شهدها هذا المجال استدعت تدخلاً تنظيمياً، تم بالتوافق مع ممثلي المهنة، مؤكداً أن مشروع قانون المحاماة يسير في اتجاه يرضي جميع الأطراف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى