وزارة الداخلية تشدد مراقبة دعم الجمعيات من المال العام.. تدقيق في الاتفاقيات ومحاسبة على أوجه الصرف

تتجه وزارة الداخلية نحو إحكام الرقابة على الأموال التي تخصصها الجماعات الترابية لدعم جمعيات المجتمع المدني، من خلال تعليمات جديدة تستهدف ضبط شروط الاستفادة من المساهمات المالية، وتعزيز الشفافية في إبرام اتفاقيات الشراكة، وربط صرف الاعتمادات بإنجاز مشاريع وأنشطة قابلة للتقييم والمراقبة.
وفي هذا السياق، شرعت سلطات إقليمية، وفق معطيات أوردتها مصادر مطلعة يوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026، في توجيه مراسلات إلى رؤساء جماعات ترابية من أجل مراجعة آليات تدبير الدعم الجمعوي، والتأكد من سلامة الوضعية القانونية للهيئات المستفيدة، ومدى تطابق أنشطتها الفعلية مع الأهداف الواردة في أنظمتها الأساسية.
وتندرج هذه الإجراءات ضمن مساعٍ ترمي إلى الحد من الاختلالات المحتملة في توزيع الإعانات العمومية، وضمان توجيه الموارد المالية المتاحة نحو الجمعيات التي تقدم برامج واضحة وتستجيب لحاجيات السكان، عوض منح الدعم دون معايير دقيقة أو اتفاقيات تتضمن التزامات قابلة للقياس والتتبع.
شروط أكثر صرامة للاستفادة من التمويل العمومي
وتضع التوجيهات الجديدة مسؤولية أكبر على عاتق رؤساء المجالس الجماعية في التحقق من أهلية الجمعيات المرشحة للاستفادة من الدعم، والتأكد من نشاطها الفعلي وقدرتها على تنفيذ المشاريع المعلن عنها، مع مراعاة الإمكانات المالية للجماعات والاعتمادات المرصودة في ميزانياتها.
كما تفرض هذه المقاربة اعتماد معايير واضحة في اختيار المستفيدين، بما يتيح المفاضلة بين المشاريع على أساس أهدافها وطبيعة أنشطتها والفئات المستهدفة، ويحد من القرارات التي قد تفتقر إلى الشفافية أو لا تستند إلى تقييم موضوعي للحاجيات والنتائج المنتظرة.
وتشمل عملية الضبط كذلك ضرورة احترام المقتضيات القانونية المنظمة لاختصاصات الجماعات الترابية، ولا سيما القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، بما يضمن ارتباط اتفاقيات الدعم بالمجالات التي تدخل ضمن صلاحيات المجالس المنتخبة، وتفادي الالتزامات المالية التي لا تستند إلى أساس قانوني واضح.
اتفاقيات الشراكة تحت المجهر
ولا تقتصر المراقبة على التحقق من الوثائق الإدارية للجمعيات، بل تمتد إلى مضمون اتفاقيات الشراكة وطبيعة المشاريع التي تتضمنها، من خلال التشديد على دور اللجان التقنية المختصة في دراسة الملفات، وتقييم جدوى البرامج المقترحة، ومدى انسجامها مع أولويات التنمية المحلية قبل استكمال إجراءات المصادقة والتأشير.
ويعكس هذا التوجه رغبة في الانتقال من تدبير الدعم بمنطق توزيع المساهمات المالية إلى مقاربة تقوم على النتائج، بحيث يصبح التمويل مرتبطاً بأهداف محددة والتزامات واضحة، مع إمكانية تقييم أثر المشاريع على الفئات المستفيدة ومدى احترام الجمعيات للبرامج المتفق بشأنها.
كما يتعين مراعاة التوازن بين الالتزامات المالية التي تتحملها الجماعات والموارد المتاحة لها، تفادياً لتراكم النفقات أو تخصيص اعتمادات تفوق الإمكانات الحقيقية للميزانيات المحلية.
تقارير مالية وأدبية لتتبع أوجه الصرف
ومن أبرز التدابير التي تركز عليها التوجيهات تعزيز المراقبة بعد صرف الدعم، عبر مطالبة الجمعيات المستفيدة بتقديم تقارير مفصلة بشأن الأنشطة المنجزة والنتائج المحققة، إلى جانب كشوفات ووثائق تثبت أوجه استعمال الأموال العمومية.
وتتيح هذه الآلية التحقق من مدى احترام الالتزامات الواردة في اتفاقيات الشراكة، ومقارنة النفقات المصرح بها بطبيعة المشاريع المنفذة، فضلاً عن الوقوف على الصعوبات التي قد تعترض إنجاز البرامج الممولة.
ويبرز هذا الجانب أهمية عدم الاكتفاء بالمصادقة على الاتفاقيات وتحويل المساهمات المالية، بل ضرورة مواكبة مراحل التنفيذ والتأكد من أن الأموال المخصصة للدعم الجمعوي حققت الأهداف التي بررت منحها.
تدقيق في الوضعية القانونية للجمعيات
وتشمل الإجراءات أيضاً فحص الملفات القانونية والتنظيمية للجمعيات المرشحة للاستفادة من التمويل، والتأكد من مطابقة أعضاء مكاتبها المسيرة للوثائق الرسمية ومحاضر الجموع العامة والأنظمة الأساسية، قبل إحالة اتفاقيات الشراكة على المصالح المختصة.
وفي هذا الإطار، تتضمن الملفات المطلوبة وثائق تثبت الوضعية القانونية للجمعيات، والتصريحات ذات الصلة، والمعطيات التعريفية لأعضاء المكاتب المسيرة، بما يساعد على التحقق من هوية الممثلين القانونيين وصحة البيانات المقدمة ضمن طلبات الاستفادة.
وتستهدف هذه المراقبة تعزيز سلامة العلاقة التعاقدية بين الجماعات والجمعيات، والحد من المخاطر المرتبطة بالوثائق غير المطابقة أو الملفات التي لا تستوفي الشروط التنظيمية المطلوبة.
وتفتح هذه الإجراءات مرحلة أكثر تشدداً في تدبير الدعم الجمعوي، إذ لم يعد الرهان مقتصراً على توزيع المساهمات المالية، بل أصبح مرتبطاً كذلك بكيفية اختيار المستفيدين، وجودة المشاريع المقترحة، واحترام القواعد القانونية، والقدرة على إثبات أوجه الصرف والنتائج المحققة.
ويبقى التحدي الأساسي هو ضمان تطبيق هذه الضوابط بصورة متكافئة على مختلف الجمعيات، مع الحفاظ على حق الهيئات الجادة في الاستفادة من التمويل العمومي، وتفادي تحويل المساطر الرقابية إلى عائق أمام المبادرات المدنية الجادة التي تقدم خدمات اجتماعية وثقافية وتنموية لفائدة المواطنين.






