“هوس الرفاهية” يسقط أقنعة الحكامة.. صفقة إقامة عامل بنسليمان تفجر المسكوت عنه في تدبير الإقامات الوظيفية

بنسليمان – متابعة استقصائية
تحولت صفقة تجهيز إقامة عامل إقليم بنسليمان، الحسن بوكوتة، إلى “النقطة التي أفاضت الكأس”، فاتحةً الباب أمام نقاش مجتمعي وحقوقي ساخن حول ظاهرة “البذخ الاستعراضي” التي ينتهجها بعض مسؤولي الإدارة الترابية، والذين يبدو أنهم يسارعون لتأثيث “حياة الترف” من ميزانية الدولة، ضاربين عرض الحائط بتوجيهات الدولة الداعية لترشيد النفقات.
بنسليمان: وعود في الصباح وصفقات في المساء
لم تمر سوى فترة قصيرة على خطاب “الصرامة” الذي ألقاه عامل بنسليمان أمام المجلس الإقليمي، متوعداً بمحاربة تبذير المال العام، حتى صدم الرأي العام بصفقة (رقم 29/2025) بقيمة تقارب 600 ألف درهم (60 مليون سنتيم) لتجهيز إقامته الخاصة. الصفقة لم تقتصر على الضروريات، بل شملت تفاصيل وُصفت بـ “المستفزة”، من قبيل “برانس حمام” بـ 10 آلاف درهم، وأحذية منزلية وسرير للنوم بمبالغ خيالية، مما أثار تساؤلات حول الفوارق الشاسعة بين الأثمنة التقديرية في الصفقة وبين واقع السوق.
“لعنة الإقامة”.. المسؤول الذي جهّز ولم يسكن!
هذه الواقعة ليست معزولة، بل أعادت للأذهان قصصاً “سريالية” لمسؤولين ترابيين تملكهم هوس التجهيز. ففي إحدى الجهات، قام مسؤول سابق بإعادة تجهيز إقامته بالكامل بمبالغ فلكية، شملت مصاعد كهربائية، مسابح، وفضاءات خارجية صُممت خصيصاً لسهرات “الطرب الأصيل”. لكن سخرية القدر كانت أسرع؛ إذ صدر قرار إعفائه من مهامه قبل أن يهنأ بليلة واحدة في ذلك “القصر المنشود”، لتبقى تلك التجهيزات شاهداً صارخاً على تبديد أموال دافعي الضرائب في غير محلها.
تكنولوجيا الرفاهية وسط خصاص التنمية
وتشير التقارير إلى أن “هوس التجهيز” وصل ببعض العمال إلى مستويات غير مسبوقة من الرفاهية التقنية، حيث تم رصد صفقات لاقتناء أبواب إلكترونية ذكية تعمل بنظام التحكم عن بعد (Telecommande)، في وقت تفتقر فيه الدواوير التابعة لنفوذهم لأبسط المسالك الطرقية أو الربط بالماء والكهرباء.
وزارة الداخلية أمام “محك” وقف النزيف
إن ما يحدث في بنسليمان، وما سبقه في أقاليم أخرى، يضع وزارة الداخلية أمام مسؤولية مباشرة للتحرك العاجل. فمن غير المقبول أن يتحول “الاستحقاق الوظيفي” بسكن لائق إلى “فرصة للاستغناء المفرط” على حساب المصلحة العامة.
إن حماية المال العام لا تكون بالخطابات الرنانة في دورات المجلس الإقليمي، بل بالقدوة في التدبير. وعامل بنسليمان، بصفقته الأخيرة، وضع نفسه تحت مجهر المحاسبة الشعبية، في انتظار “زلزال” إداري يعيد الأمور إلى نصابها ويوقف نزيف “رفاهية المسؤولين” على حساب “تنمية المواطنين”.






