“مهرجانات فاس مكناس بين لهو التبوريدة ولهيب الانتخابات: المال العام في مهب التبذير السياسي

بعد أن كانت الدوريات الرياضية الرمضانية في جهة فاس مكناس وسيلة مفضّلة لدى عدد من المنتخبين للترويج الانتخابي، عادت المجالس المنتخبة اليوم إلى نهج أكثر كلفة وأكثر جدلاً، من خلال تنظيم مهرجانات التبوريدة والموسيقى الشعبية و المارطون ، بذريعة التنشيط الثقافي، في حين أن الهدف الحقيقي هو حصد مكاسب انتخابية مبكرة باستعمال المال العام.
و بات التسابق بين المنتخبين سمة المرحلة الحالية و القادمة فمن مهرجانات التبوريدة بالجماعات الترابية القروية والتي تخصص لها ميزانية ضخمة من المال العام إلى مهرجان “عيساوة” بمكناس والذي يسمع عنه لأول مرة تحت رعاية خاصة لرئيس الجهة الأنصاري، إلى مهرجانات و مواسم الختان باتت السياسة تمارس بطريقة غريبة بعد أن غاب التأطير الحزبي .
فقد تحولت هذه التظاهرات، التي تُفترض أن تكرّس الطابع الثقافي والترفيهي للمنطقة، إلى أدوات دعائية مكشوفة تُستخدم لاستمالة الناخبين وكسب الولاءات. في قلب هذا الحراك، تبرز جهة فاس مكناس كمسرح لنشاط محموم يشوبه الغموض المالي والتوظيف السياسي، حيث تُخصص ميزانيات ضخمة دون مراقبة تُذكر، وهو ما يطرح علامات استفهام عديدة حول الحكامة في صرف المال العام.
ويستفيد منظمو هذه المهرجانات من تمويلات متعددة المصادر، على رأسها دعم المديرية العامة للجماعات المحلية، بالإضافة إلى مساعدات إضافية من وزارة الشباب والثقافة والتواصل، وكل ذلك تحت غطاء دعم الثقافة والفن، فيما الواقع يكشف عن أهداف انتخابية صرفة.
وقد رُصدت مظاهر استغلال واضحة خلال عدد من هذه المناسبات، من توزيع هدايا رمزية للحاضرين إلى تمرير رسائل سياسية ضمن العروض والأنشطة، ما جعل العديد من الفاعلين المدنيين يدقّون ناقوس الخطر بشأن تحويل هذه الفعاليات إلى ساحات للدعاية والتلميع السياسي، بدل أن تكون مناسبات لتعزيز الثقافة المحلية والوحدة الاجتماعية.
ويرى متتبعون أن تسييس هذه المهرجانات يُهدد النسيج الاجتماعي، ويفرغها من مضمونها الثقافي والديني، ويحوّلها إلى مساحات للتنافس الانتخابي غير المشروع، في غياب تام لمراقبة فعّالة أو تدخل من الجهات الوصية لضبط هذا الانفلات.
النداءات اليوم تتوجه إلى السلطات الإقليمية بجهة فاس مكناس، وخصوصاً مصالح وزارة الداخلية، للتحرك العاجل من أجل وضع حد لهذا الاستغلال المفرط للمال العام، وفرض الشفافية والرقابة في تنظيم مثل هذه التظاهرات، بما يضمن عدم تحولها إلى جسر عبور انتخابي على حساب مصالح المواطنين وجودة الخدمات الأساسية.
ما يجري بجهة فاس مكناس ليس مجرد احتفال بالتراث أو الفنون الشعبية، بل هو استثمار سياسي مفضوح تحت غطاء الثقافة، يُوظف فيه المال العام لتلميع وجوه انتخابية، ما يستوجب تدخلاً صارماً لإعادة الأمور إلى نصابها.






