سياسة

محمد شوكي يرسم ملامح معارضة التجمع الوطني للأحرار: رقابة دستورية وبدائل تشريعية بعيداً عن منطق التصعيد

يستعد حزب التجمع الوطني للأحرار لخوض مرحلة سياسية جديدة من موقع المعارضة، بعد إعلان ملامح الأغلبية الحكومية المرتقبة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، في تحول ينقل الحزب من تدبير الشأن العام إلى ممارسة الرقابة البرلمانية ومساءلة الاختيارات الحكومية، مستنداً إلى تجربة امتدت خلال الولاية الحكومية السابقة.

وفي أولى الإشارات إلى طبيعة هذا الاصطفاف، أكد محمد شوكي، رئيس الحزب، أن التجمع الوطني للأحرار يتجه نحو ممارسة معارضة وصفها بالقوية والمسؤولة والبناءة، مشدداً على أن دوره خلال المرحلة المقبلة لن يقوم على رفض القرارات الحكومية بصورة مسبقة، وإنما على مناقشتها وتقييمها والمساهمة في تجويدها من خلال أدوات الرقابة والتشريع التي يتيحها الدستور.

ويعكس هذا الموقف توجهاً يسعى الحزب من خلاله إلى تقديم انتقاله إلى المعارضة باعتباره تغييراً في الموقع المؤسساتي، لا تخلياً عن المسؤولية السياسية. فالحزب الذي شارك في تدبير الحكومة خلال المرحلة الماضية يجد نفسه اليوم أمام تحدي تحويل تجربته التنفيذية إلى رصيد في النقاش البرلماني، سواء تعلق الأمر بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية أو بالبرامج العمومية والإصلاحات التي ستواصل الحكومة المقبلة تنفيذها.

تجربة التدبير في مواجهة مسؤولية الرقابة

يرتكز خطاب شوكي على امتلاك الحزب تجربة حكومية ومعرفة بالملفات العمومية وإكراهات اتخاذ القرار، إلى جانب فريق برلماني يضم كفاءات راكمت خبرة في العمل التشريعي والمؤسساتي. ويراهن الحزب على توظيف هذا الرصيد في مناقشة مشاريع القوانين والميزانية والسياسات القطاعية، ومساءلة الحكومة بشأن حصيلة قراراتها ومدى استجابتها للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية.

غير أن الانتقال من الأغلبية إلى المعارضة يفرض، في المقابل، تغييراً في طبيعة الأداء السياسي. فالمعارضة لا تُقاس فقط بما تملكه من تجربة سابقة في الحكومة، وإنما بقدرتها على فحص القرارات الحالية، وتقديم معطيات دقيقة بشأن آثارها، والكشف عن مواطن القصور عند وجودها، واقتراح بدائل قابلة للنقاش والتنفيذ.

ومن هذا المنطلق، شدد رئيس التجمع الوطني للأحرار على أن مساءلة الحكومة المقبلة ستعتمد على الحجة والوقائع والمعطيات، لا على الشعارات والمزايدات. وهي رسالة موجهة إلى الرأي العام مفادها أن الحزب يريد الحفاظ على حضوره في النقاش العمومي، لكن بأدوات مختلفة عن تلك التي اعتمدها عندما كان طرفاً في الأغلبية الحكومية.

دستور 2011 يؤطر موقع الحزب الجديد

استحضر شوكي المكانة التي يوليها دستور 2011 للمعارضة البرلمانية، باعتبارها مكوناً أساسياً في البناء الديمقراطي والمؤسساتي. ويمنح الدستور للمعارضة حقوقاً وأدواراً تشمل المشاركة في العمل التشريعي ومراقبة العمل الحكومي، والمساهمة في النقاشات المرتبطة بالسياسات العمومية، وفق الشروط والإجراءات المنصوص عليها قانوناً.

ويتيح هذا الإطار للحزب الانتقال إلى موقع المعارضة دون الانسحاب من المؤسسات أو التخلي عن المشاركة في صناعة القرار العمومي، إذ يظل العمل البرلماني مجالاً للتنافس السياسي حول البرامج والاختيارات، مع استمرار الالتزام بالقواعد الدستورية التي تنظم العلاقة بين الأغلبية والمعارضة.

وفي هذا السياق، يؤكد شوكي أن حزبه لن يتبنى معارضة ترفض من أجل الرفض، كما لن يتردد في إعلان اختلافه مع الحكومة عندما يرى أن المصلحة العامة تستدعي ذلك. ويضع هذا التصريح معياراً عملياً أمام الحزب نفسه: مدى قدرته على التوفيق بين نقد القرارات الحكومية، والاعتراف بما قد تحققه من نتائج، وتقديم مقترحات بديلة عندما يقتضي الأمر ذلك.

الأوراش الوطنية خارج الحسابات الحزبية

وفي ما يتعلق بالأوراش الوطنية الكبرى، شدد رئيس التجمع الوطني للأحرار على أن خدمة المصالح العليا للمغرب ستظل محدداً أساسياً لمواقف الحزب، معتبراً أن هذه الأوراش لا ينبغي أن تتحول إلى موضوع للمزايدات المرتبطة بموقع الأغلبية أو المعارضة.

ويحمل هذا الموقف تمييزاً بين التنافس السياسي المشروع حول السياسات العمومية، وبين القضايا الوطنية التي تستدعي استمرارية العمل المؤسساتي والتعاون بين مختلف الفاعلين. فوجود الحزب في المعارضة لا يمنعه من مساندة المبادرات التي يقتنع بجدواها، مثلما لا يعفي الحكومة المقبلة من تقديم التوضيحات والحجج بشأن اختياراتها ونتائجها.

ومع ذلك، فإن ترجمة هذا الالتزام إلى ممارسة فعلية ستظل مرتبطة بمواقف الحزب من الملفات المطروحة، وبكيفية تعامله مع مشاريع القوانين والميزانية والقرارات الحكومية. فالمعيار الحاسم لن يكون الخطاب المعلن وحده، بل طبيعة التدخلات البرلمانية، ومستوى جودة المقترحات، ومدى انتظام المساءلة وتقديم البدائل.

اختبار المرحلة المقبلة

يأتي تموقع التجمع الوطني للأحرار في المعارضة في سياق سياسي جديد أعقب انتخابات 23 شتنبر 2026، ومع انطلاق مرحلة تشكيل الحكومة المقبلة. وسيكون على الحزب أن يحدد أولوياته الرقابية والتشريعية، وأن يوضح الملفات التي سيمنحها أهمية خاصة، وكيفية تقييمه للبرامج الحكومية، فضلاً عن آليات التنسيق داخل فريقه البرلماني.

وفي الوقت نفسه، ستكون الحكومة المقبلة مطالبة بالتفاعل مع الأسئلة الرقابية ومناقشة الانتقادات المقدمة إليها، بما يجعل البرلمان فضاءً لتبادل الحجج بشأن الاختيارات العمومية، لا مجرد ساحة لتسجيل المواقف السياسية.

وبين تجربة التدبير السابقة ومتطلبات المعارضة الجديدة، يضع محمد شوكي حزبه أمام معادلة واضحة: الحفاظ على حضوره السياسي من خلال الرقابة الجادة والاقتراح التشريعي، مع التأكيد على أن تغير الموقع داخل المؤسسات لا يعني تغير الالتزام تجاه الوطن والمواطنين. وستظل حصيلة هذه المقاربة رهينة بما ستكشف عنه الممارسة البرلمانية خلال المرحلة المقبلة، ومدى قدرة الحزب على تحويل شعارات المسؤولية والبناء إلى أداء ملموس داخل المؤسسة التشريعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى